9.108
قوله تعالى: ﴿ لا تقم فيه أبدا ﴾؛ أي لا تصل في مسجد هؤلاء المنافقين أبدا، ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾؛ يعني مسجد قباء أسس لوجه الله منذ أول يوم بني، ويقال: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تصلي فيه، ولا يمتنع أن يكون المراد المسجد الذي أسس على التقوى كلا المسجدين، مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء. قوله تعالى: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾؛ في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا. قال الحسن: (معناه يتطهرون من الذنوب بالتوبة).
والمشهور أن المراد بالتطهير في هذه الآية الاستنجاء بالماء كما روي:
" أنه لما نزلت هذه الآية وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب قباء وقال: " يا معشر الأنصار إن الله عزوجل قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم، فبم تطهرون؟ " قالوا: إنا نتبع الأحجار بالماء؛ أي نستجمر بالحجر ثم نستنجي بالماء، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وسن النبي صلى الله عليه وسلم الاستنجاء بالماء "
قوله تعالى: ﴿ والله يحب المطهرين ﴾؛ أي أثنى على المطهرين من الذنوب، والمتطهرين بالماء من الأدناس.
9.109
قوله تعالى: ﴿ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ﴾؛ الألف في أول الآية ألف استفهام دخلت في الكلام للإنكار، وقوله تعالى ﴿ جرف هار ﴾ أي على طرف الهوة، وقوله ﴿ هار ﴾ ساقط، وأصله هاير، إلا أنه حذف الياء.
والجرف: ما تمر به السيول من الأودية فتسير جانبه وتنثره، ولو وقف الإنسان عليه لسقط وانهار، وشفا الشيء حرفه وهو مقصور يكتب بالألف وتثنيته شفوان.
قرأ نافع وأهل الشام بضم الهمزة والنون على غير تسمية الفاعل، وقرأ الباقون بفتحهما. قوله تعالى: ﴿ على تقوى من الله ﴾ ، قرأ ابن عمر (تقوى) منون، وقوله تعالى ﴿ جرف ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر وخلف بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتثقيل وهما لغتان، وهي البر التي لم تمطر، وقال أبو عبيد: (بنى الهوة والرمل) والشيء الرخو وما يجرفه السيل في الأودية، والهاير الساقط الذي يتداعى بعضه على إثر بعض كما يتهاوى الرمل، والشيء الرخو، وفي مصحف أبي (فانهارت به قواعده في نار جهنم). قال قتادة: (ذكر لنا أنه حفرت بقعة منها فرؤي الدخان يخرج منها)، وقال جابر بن عبدالله: (رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار).
قوله تعالى: ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾؛ أي انهار الجرف بالبناء؛ أي هار به؛ أي كما أن من بنى على جانب نهر صفة ما ذكرنا انهار بناؤه في النهر، فكذلك بناء أهل النفاق مسجد الشقاق كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. وقوله تعالى: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾؛ أي لا يوفقهم ولا يهديهم الى جنته وثوابه.