نصحت له أن يهجر السياسة مليا ويسالم جميع أحزابها ويصرف كل جهده إلى
خدمة جمعية الشبان المسلمين التي لا يرجى نجاحها إلا بإقناع كل مسلم يغار على
الإسلام بأن هذا العمل لوجه الله تعالى لا شائبة فيه لمقاصد الأحزاب والسياسة،
وذكرت له أن مثله فيه كمثل محمد طلعت باشا حرب في خدمته المالية وأعماله
الاقتصادية لمصر، هجر لأجله السياسة وله فيها الرأي الحصيف عملا بقاعدة
الأستاذ الإمام حكيم مصر والإسلام: (ما دخلت السياسة في عمل إلا أفسدته)
فشايعه على عمله جميع رجال الأحزاب السياسية وقدره له صاحب الجلالة الملك،
فأنعم عليه برتبة الباشوية بمحض عطفه ورضاه عن أعماله.
قلت: إن صديقي عبد الحميد بك لو ندبني للسعي معه للصلح لانتدبت، ولجاز
أن يكون له من رأيي الذي علم بعضه مما مر آنفا ما يرجى به النجاح، وإذا
لعارضته في نشر تلك الشهادة للمعارضين بحسن النية استبقاء للمودة بينه وبين
الفريقين، ومن رأيي أن مودته للسيد الحسيني وحزبه أنفع من مودته لراغب بك
النشاشيبي وحزبه؛ لأن وجهته في خدمة الأمة دينية يجتمع فيها مع الأول بالتعاون
والتناصح دون الثاني.
وأنا قد كلمني بعض المخلصين في القدس بأن أسعى وحدي لهذا الصلح
لاعتقادهم أنني لا أرضى إلا بالمصلحة العامة وصميم الحق، فأحببت ذلك وأردت
الاستعداد له بالوقوف على كنه الشقاق واختلاف المنافع والأهواء فيه، فعلمت من
أقوال أصدق العارفين بالحقائق أن السعي الذي يرجى نجاحه متعذر في تلك الأيام -
أيام المؤتمر - لاختلاف المقاصد فيه وفي السياسة والرياسة وقد تسنح له فرصة
أخرى.
وكان من العوائق أنه لم يسبق لي اجتماع براغب بك، وقد دعاني إلى حفلة
الشاي التي دعا إليها أكثر أعضاء المؤتمر فلم أستجب له؛ لأنه لم يزرني عقب
وصولي إلى بلده، ولم يدعني بنفسه، بل أعطاني بعض المدعوين رقعة من رقاع
دعوته، ولم يزرني أيضا أكبر أركان حزبه المعارض للحسيني وهو الأستاذ الشيخ
خليل الخالدي على ما بيننا من تعارف وتواد قديمين (ومن صداقة مع أشهر
رجال أسرته المرحوم روحي بك الخالدي) وكان يتفضل بزيارتي إذا ألم بمصر،
وكأنه ظن أنني أشايع السيد أمينا الحسيني عليهم لأنه صديقي وتلميذي، وحاش لله،
ما أنصر أحدا على الباطل ولو كان أستاذي أو أخي، أو والدي أو ولدي، وقد
تنكب الصراط المستقيم من كان تلميذا لي فنصحت له فلم يزدد إلا ضلالا، فرددت
عليه في المنار أشد الرد، وصرحت بإلحاده في آيات الله وتحريفه لكتاب الله؛
وإنني لأنصح للسيد محمد أمين في كل أمر يقتضي النصح والتواصي بالحق
والصبر.
عوائق الصلح وعواقبه الحزبية السياسية:
قلت: إنني كنت حريصا على منع وقوع الجفاء بين السيد أمين الحسيني
وعبد الحميد بك سعيد وعلى تلافيه بعد وقوعه، فكان من أسباب اشتداده وعلم
الجماهير به ذلك البيان في مسألة الصلح، ومنشور آخر شر منه لعضو من رفاقه
المصريين المشايعين للوزارة الحاضرة، ذكر في هذا البيان أقبح ما يطعن به خصوم
الحسيني فيه، وتكليفه أن يحاكمهم إلى محاكم الجنايات إن كانوا كاذبين وإلا كان
لجميع الناس أن يصدقوهم في طعنهم بذمته وشرفه وأمانته، وقد طبع هذا المنشور
ووزع في الفنادق والأسواق والشوارع بإمضاء كاتبه الذي لم يره أحد بعد نشره لا في
المؤتمر ولا في خارجه، ولا يجهل عاقل رأي الناس في مثل هذا المنشور وقصد
صاحبه، والباعث له عليه، والمنفق على طبعه، والمهتم بنشره.
وكان قبله ما كان في حفلة افتتاح المؤتمر في المسجد الأقصى، إذ قام رفيق
آخر من أصحابه دعاة الوزارة والمنافحين عنها وحاول إسكات الأستاذ عبد الرحمن
عزام مندوب الوفد المصري عندما وقف على كرسي الخطابة وبلغ المؤتمر تحية
الوفد ورئيسه وتأييده له كسائر المصريين، صاح به محاولا تسكيته أو تسقطه،
وذكر اسم جلالة ملك مصر بما لا يخلو من إيهام كان له أسوأ التأثير في المسجد،