الشرعية في البلاد كلها تابعة لرياسته، فكان هذا سببا لقوة التنافس بين الأسرتين:
الحسينية والخالدية. وهنالك بيت النشاشيبي من أسر الوجاهة وعماده راغب بك
النشاشيبي رئيس البلدية، وهو مساير وملائم لسياسة الحكومة الإنكليزية الصهيونية،
وآل الحسيني زعماء المعارضة لها، فلما علت وجاهة المفتي الحسيني برياسة
المجلس الأعلى الذي يتولى إدارة المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية معا كان
بينهما من المنافسة ما اقتضى الاتفاق بينه وبين آل الخالدي على معارضة الحسيني،
ولكل من الفريقين أنصار في البلاد، فأنصار الحسيني يسمون المجلسيين،
والآخرون يسمون المعارضين، ولكل منهما جرائد تدافع عنهم وتطعن على
الآخرين، وكل من كان له حاجة عند زعيم فلم يقضها له اتخذه عدوا، فظاهر خصمه
عليه بكل ما يقدر عليه من قول وفعل، وعقلاء البلاد الفضلاء يخشون عاقبة هذا
الشقاق ويمقتون جميع مظاهره، ولا يهتدون إلى إزالته سبيلا.
ولما رأى هؤلاء المعارضون بوادر اعتراض الأزهر على عقد المؤتمر
وصدهم عنه، وبلغهم أنه عنوان لسخط الحكومة المصرية، أو موعز به من رجال
القصر - اشتدت نقمتهم، وقويت عزيمتهم، وأرسلوا رائدهم إلى مصر فناجى بعض
من يرجون شد أزرهم، وصاروا يرسلون أشد جرائدهم طعنا في المؤتمر ولجنته
التحضيرية، وفي جميع أعمال السيد محمد أمين الحسيني حتى السابقة إلى جميع
من عرفوا عنوانه من علماء مصر ووجهائها ورجال حكومتها؛ لأنهم يريدون إسقاط
حرمته ومكانته من النفوس لذاته لا لتقصيره معهم بعدم ضم زعمائهم إلى اللجنة
التحضيرية المنظمة لدعوة المؤتمر كما يقول أعوانهم.
ذلك بأن من المعلوم بالبداهة أن دعوة كبير آل الحسيني رئيس المجلس
الإسلامي الأعلى إلى عقد مؤتمر إسلامي عام في مدينة بيت المقدس تعلي قدره،
وترفع ذكره، وتعزز مركزه، فلهذا هب المعارضون إلى تشويه سمعة المؤتمر
والطعن في مقاصده لصد المسلمين عن إجابة الدعوة إليه، أو التوسل إلى الاشتراك
مع السيد الحسيني وحزبه في اللجنة التحضيرية المعدة له، ثم في إدارة شؤونه،
واختيار من يدعى إليه من أهل فلسطين وغيرهم ليكون لهم شأن وتأثير في اختيار
الرئيس العام له، فيحولوا دون انتخاب رئيس المجلس له. وجملة القول: إن
غرضهم من المعارضة منع عقد المؤتمر أو الحيلولة دون جعل الفضل الأكبر له
ولحزبه فيه، ودون جعله معززا لمركزه ومقويا لنفوذه في البلاد.
الاتفاق بين مفتي القدس ورئيس الوزارة وعقابيله:
دعوت السيد محمد أمين الحسيني للإلمام بالقاهرة لتدارك ما فيها، فحضر وقال
لي: إنه جاء بدعوتي، وقد علمت أنه دعاه غيري أيضا، جاء فاستقبله صديقه
الدكتور عبد الحميد بك سعيد الرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين، وهو من
أنصار الحكومة الملكية المصرية الحاضرة في برلمانها الحاضر وفي خارجه،
وصديق رئيسها صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وكاشفه بظواهر معارضة
مشروع المؤتمر هنا وخوافيها، وقوادم أجنحة الإشاعات والمؤامرات وخوافيها،
وما يراه من الطريقة المثلى لتلافيها، وبادر إلى جمعه برئيس الحكومة فشرح له
السيد المسألة وأقنعه بأنه ليس من مقاصد المؤتمر طرح مسألة الخلافة ولا نصب
خليفة للمسلمين، ولا يتضمن شيئا ما يمس الحكومة المصرية من قرب ولا من بعد،
وأن المدرسة الجامعة التي يدعو إليها مدرسة علمية مدنية معارضة لانفراد
الجامعة العبرية الصهيونية بالتعليم العالي في البلاد، ومعززة لمركز المسلمين
الديني والدنيوي فيها، وأظن أنه أجاب عن الإجمال في عبارة دعوة المؤتمر الذي
أسيء فهمها أو تفسيرها، بأن سببه أن الحق في تفصيل المصالح الإسلامية
للمؤتمرين فيه وليس للداعي إليه أن يلزمهم حدودا مفصلة لا يتعدونها.
وهذا نص ما نشر في الجرائد المحلية اليومية عقب اجتماع السيد محمد أمين
رئيس المجلس الإسلامي الفلسطيني برئيس الوزارة المصرية: