بدأ الطعن فيه بمقالات ينشرها بعض كبار شيوخ الأزهر في الجرائد، فانتقل
إلى تأليف مظاهرات اجتماعية من جميع المعاهد التابعة له في القطر، ويظهر مما
كتب في ذلك أن الأزهريين فهموا مما ذكر في الدعوة إلى المؤتمر من الاستعانة به
على إنشاء مدرسة إسلامية جامعة في فلسطين يراد به أن تكون هذه الجامعة
معارضة للجامعة الأزهرية ومضادة لها، وحينئذ تكون مفسدة في العالم الإسلامي
يجب درؤها، وإحباط أمر المؤتمر الذي يدعو لها، بل صار موضوع الحوار بين
الناس في هذا المؤتمر أن الغرض منه مقاومة سياسة الحكومة الملكية المصرية
وأزهرها.
إن هذا لأمر عجيب، وإنه لأبعد عن العقل من كون الغرض منه أو كون أحد
الأغراض الأساسية منه نصب خليفة للمسلمين في فلسطين، وأغرب ما فيه وأدعاه
إلى العجب أن يكون المراد من إنشاء مدرسة جامعة في فلسطين معارضة الأزهر
ومناصبته، وما استدل به على ذلك من أنها ستسير على نظامه ومناهجه، وأشد
من هذا وأعمق في إثارة العجب أن يثور الأزهر وجميع معاهد العلم التابعة له لصد
العالم الإسلامي كله عن عقد المؤتمر لدرء هذا الخطر الوهمي الذي تهدده به هذه
الجامعة التي يكلف تقريرها والسعي إليها، ولو كان الأزهريون أو غيرهم من
الجماعات الإسلامية يهبون لدرء المفاسد الحقيقية والأخطار المستيقنة في بدء
وقوعها كما هبوا لمقاومة هذا الخطر الوهمي قبل وقوعه - لما نالت خطوب الدهر
ونوائبه من المسلمين نيلا.
كيف يعقل هذا الخطر؟ من ذا الذي يقصده؟ أهو السيد محمد أمين الحسيني
مفتي القدس أم غيره؟ ما فائدة هذا العمل لمن عساه يقصده؟ كيف يتصور أن
يتوسل إليه بمؤتمر إسلامي؟ هل يعتقد الأزهريون أن العالم الإسلامي قد ثبت عند
دهمائه أو حكامه وملوكه وأمرائه أن الأزهر مفسدة في الإسلام يجب القضاء عليها،
فيخشون أن يقبل مندوبوهم في المؤتمر اقتراح القضاء عليه أو معارضته بجامعة
تحل محله أو تغني عنه؟ ثم إذا قبل المؤتمر هذا وقرره وجمع المال الكثير له
فكيف يكون التنفيذ لمقصده؟ من ذا الذي يضع النظام لهذه الجامعة الإسلامية
المقدسية المؤتمرية؟ وما الكتب التي تختار أو تصنف لها؟ ومن أين يؤتى لها
بالمدرسين الذين يتولون هذا التعليم الغريب فيها؟
إنه ليمكن بسط كل استفهام من هذه الاستفهامات الإنكارية في مقال أو مقالات
يثبت بكل منها أن ذلك الوهم الذي ألقي في روع الأزهر، فأحدث فيه ذلك الروع
العجيب من محالات العقول أو محاراتها؛ ولكن إقناع الجماعات بالأوهام التي
ينكرها الحس مع العقل من أسهل الأمور المألوفة، كما أن تقليد بعض الجماعات
لبعض فيها من الوقائع المعروفة، كما حققه فيلسوف التاريخ (غوستاف لوبون)
وأما الأفراد المستقلون في فهمهم وتفكيرهم فلا تقبل عقولهم أمثال هذه الأوهام، وقد
حدثت بعض أصدقائي من علماء الأزهر غير المجروفين بتيار مشيخة الأزهر في
هذه المسألة فوافقوني على استحالة ما عزي إلى الداعي إلى المؤتمر وإخوانه
أعضاء اللجنة التحضيرية له أن يقصدوا من الجامعة المقدسية مصادمة الأزهر
ومعاداته، وإن طعن الأزهريين في هذا المؤتمر بهذه العلة مما لا يسيغه العقل ولا
يسوغه الدين.
إن كانت الجامعة المطلوبة دينية كالأزهر فأجدر بالأزهريين أن يفرحوا بها،
ويرشحوا علماءهم للتدريس فيها، وإن كانت مدنية فلا تعدو أن تكون كالجامعة
المصرية، وقد صرح بعض كتاب مصر في جرائدهم بأن الغرض منها نسخ
الثقافة الأزهرية القديمة البالية بثقافة طريفة مجددة، ولم نر أحدا من علماء الأزهر
هاجمها بكتابة ولا مظاهرة، فكيف أخذوا أهبتهم، واستجمعوا قوتهم، واستلوا
سيوف ألسنتهم، وشرعوا أسلات أقلامهم للضرب والطعان، وبارزوا الجامعة
المقدسية قبل بروزها إلى الميدان، إن هذا مما يؤسف له ولكنه وقع، ودفع الأزهر
فاندفع، وطالبني بعض من يعجبهم رأيي في أمثال هذه المسائل الإسلامية أن أكتب