تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿ وفي الرقاب ﴾؛ معناه عند أكثر الناس في فكاك الرقاب وهم المكاتبون، وذهب مالك إلى أنهم رقاب يبتاعون من الزكاة ويعتقون، فيكون ولاؤهم لجميع المسلمين دون المعتقين، قال: (ولا يعطى المكاتب من الزكاة ولا من الكفارات شيئا).

وقد روي

" أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملا يدخلني الجنة؟ قال: " فك الرقبة وأعتق النسمة " قال: أوليسا سواء؟ قال: " لا؛ فك الرقبة أن تعين في عتقها "

، فاقتضى قوله تعالى ﴿ وفي الرقاب ﴾ المعوضة في العتق.

قوله تعالى: ﴿ والغارمين ﴾؛ يعني المديونين الذين لا يكون لهم فضل نصاب على الدين؛ لأن المال وإن كان في أيديهم فهو مستحق أيديهم، وقال مجاهد والزهري: (إنما تحل الصدقة للمديونين إذا كان الدين قد لحقه بغير إسراف ولا معصية)، وقال قتادة: (الغارمون هم قوم لحقهم ديون في غير تبذير ولا فساد)، وعن مجاهد: (أن الغارم من احترق بيته، أو ذهب السيل بماله، أو أدان على عياله).

قوله تعالى: ﴿ وفي سبيل الله ﴾؛ أراد به المجاهدين إذا انقطعوا عن أزوادهم وراحلتهم، وقال أبو يوسف: (هم الفقراء الغزاة)، وأما إذا كان الغازي غنيا اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: (لا يعطى الغازي الغني)، وقال الشافعي ومالك: (يعطى الغازي الغني) وحجتهما قوله عليه السلام:

" لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، ورجل اشتراها بماله، ورجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى إليه جاره، وفي سبيل الله وابن السبيل ".

قوله تعالى: ﴿ وابن السبيل ﴾؛ هو المسافر المنقطع عن ماله، سمي بذلك لملازمته السبيل، كما يقال: ابن الغني وابن الفقير، قال مجاهد والزهري: (لابن السبيل حق في الزكاة وإن كان غنيا) قال قتادة: (ابن السبيل هو الضيف).

قوله تعالى: ﴿ فريضة من الله ﴾؛ أي فرض الله هذه الأشياء فريضة، ﴿ والله عليم ﴾؛ بمصالح عباده، ﴿ حكيم ﴾؛ في أفعاله. والفرض في ذكر الأصناف في هذه الآية بيان أنه لا يجوز إخراج الصدقة منهم إلى غيرهم؛ لأن الحاجة في جميع الأصناف المذكورين في هذه الآية موجودة، ولأن من عليه الزكاة إذا حمل الزكاة بنفسه إلى الإمام لم يكن لأحد من العمال في ذلك نصيب.

وقال الشافعي: (تقسم الصدقة على الأصناف الثمانية، كما هو مذكور في الآية، إلا أن يفقد صنف فيقسم على الباقين). وقيل: يقسم على أصله على سبعة أصناف؛ لأن المؤلفة قد سقطوا، قال: (ويعطى كل منهم من الثمانية ثلثه من أهل كل صنف، فإن أعطى اثنين ضمن ثلث سهم).

واختلف العلماء في المقدار الذي إذا ملكه رجل دخل في حد الغنى، وخرج من حد الفقر، قال بعضهم: إذا كان عند أهله قوت يومهم، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" " من سأل عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر جهنم " قيل: يا رسول الله وما ظهر الغنى؟ قال: " أن تعلم أن عند أهله ما يعيشهم ويغديهم " ".

وقال بعضهم: اذا ملك أربعين درهما أو عدلها من الذهب، واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافا "

، وكانت الأوقية يومئذ أربعين درهما.

وقال بعضهم: إذا ملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" " لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش " قيل: يا رسول الله وما غناه؟ قال: " خمسون درهما، أو عدلها من الذهب " ".

والصحيح: أن من ملك مائتي درهم أو عدلها من فرض أو غيره فاضلا عن ما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأتان وفرس، لم تحل له الصدقة لقوله عليه السلام:

" إني أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم "

فجعل الناس فريقين، ولا خلاف أن الذي يملك مائتي درهم يكون غنيا، فوجب أن لا يكون داخلا في الفقراء، ولو كان الاعتبار بالضرورة لكان الذي له غداء دون العشاء أو عشاء دون الغداء لا تحل له الصدقة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

التفسير الكبير · الصفحة ٧٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٧٩٧