17.84
قوله تعالى: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾؛ أي على طبعه الذي جبل عليه، وقيل: على عادته التي ألفها، وفي هذا تحذير من الفساد المسكون إليه، وقيل على فئته، وقيل: على طريقته التي تشابه كل أخلاقه. قوله تعالى: ﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ﴾؛ أي إن الله يعلم أي الفريقين على الهدى وأيهما على الضلالة من المؤمنين والكفار.
17.85
قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾؛ اختلفوا في الذي سألوا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: سألوه عن جبريل قد سماه الله روحا في قوله تعالى
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا
[الشورى: 52]، وعن علي رضي الله عنه قال: (إن الروح ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكل لسان من هذه الألسنة، فسألوه عن ذلك الملك).
وعن عبدالله بن مسعود قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم: اسألوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، ثم أتاه نفر منهم فقالوا له: يا أبا القاسم ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام فاشتد بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه وحي، فنزل قوله تعالى ﴿ ويسألونك عن الروح... ﴾ الآية).
وعن ابن عباس: (أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش: سلوا محمدا في ثلاث، فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي، سلوه عن فتية مضوا في الزمان، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها، واسألوه عن الروح. فسألوه عن ذلك، فأنزل الله تعالى في الفتية
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم
[الكهف: 9]... إلى آخر القصة، وأنزل الله
ويسألونك عن ذي القرنين
[الكهف: 83]... إلى آخر القصة، وأنزل الله في الروح ﴿ ويسألونك عن الروح... ﴾ الآية، وإنما سألته اليهود عن الروح لأنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره، وليس فيها إلا ذكر اسمه الروح).
وقال سعيد بن جبير: (لم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبلع السماوات السبع والأرض السبع ومن فيهما بلقمة فعل، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على وجه الآدميين، ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترقت السماوات من نوره).
ويقال: أراد بالروح روح الحيوان وهو ظاهر الكلام، وفي روح الحيوان خلاف بين العلماء، وكل حيوان فهو روح وبدن، وروح الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية، في كل جزء منها حياة.
قوله تعالى: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي من الأمر الذي لا يعلمه إلا ربي، وإنما لم يجبهم عن ذلك؛ لأن اليهود هم الذين سألوه عن الروح، وكان في كتابهم أنه إن أجابهم عن الروح فليس بنبي! فلم يجبهم تصديقا لما في كتابهم، وكانت المصلحة في هذا أن لا يعرفهم الروح من جهة النص، بل يكلمهم في تعريفه إلى ما في عقولهم، لما في ذلك من الرياضة باستخراج الفائدة.
وقال بعضهم: هو الدم! ألا ترى أنه من نزف دمه مات، والميت لا يفقد من جسمه إلا الدم.
وزعم قوم: أن الروح هو استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن منع استنشاق وشم الهواء يموت.
وقال بعض الحكماء: إن الله خلق الروح من ستة أشياء: من جوهر النور والطيب والهواء لبقاء الحياة والعلم والعلو، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيا تبصر العينان، وتسمع الأذنان، ويكون طيبا، فإذا خرج انتن الجسد، ويكون باقيا فإذا زايلته الروح صار فانيا، ويكون حيا وبخروجه ميتا، ويكون عالما فإذا خرج منه الروح صار سفليا باليا.
والاختيار من هذه الأقوال: أنه جسم لطيف يوجد فيه الحياة! بدليل قوله تعالى في صفة الشهداء:
أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين
[آل عمران: 169-170] والأرزاق والفرح من صفة الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم؛ لأن أجسادهم قد بليت في التراب، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: