تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجلس الوالي وهيب بك باغتيال والده أمير مكة، وكإرسال والده كتابا إلى

الإدريسي وغير ذلك، وقلت له: إنه بلغني عن والده أنه غير راض عن المنار

بتأثير وساوس الدجال النبهاني، فكذب ذلك بالتأكيد الشديد، وقال: هذا كلام الذين

يحبون التفريق بيننا، وإنه رأى والده يقرأ للناس ما كتبه المنار في مسألة بيع

الشفاعة [1] (على أن خبر انحرافه بلغني من أحد أصدقاء والده) [2]

وكتبت في اليوم التالي (السبت 18 شعبان) دخل الشريف في الجامعة

العربية وحلف اليمين الكبرى كتبتها له بورقة وقرأها على سبيل الإنشاء كما قال

اه.

أقول: في تفسير هذه المذكرة بالإجمال: إنني على اشتغالي الأساسي

بالإصلاح الإسلامي العام كنت أسعى مع بعض أحرار العثمانيين من الترك وغيرهم

لإصلاح الدولة العثمانية، ولما أعلن فيها الدستور تجدد الرجاء لجميع الشعوب

العثمانية بحياتها ونهضتها بالدولة وفي الدولة، فكنت أبث في الشعب العربي

العثماني أنه يجب أن يوجه استعداده ليكون عضوا رئيسيا كالترك في الدولة ينهض

بها وتنهض به، ثم ذهبت إلى الآستانة للسعي لدى الدولة فيما تحيا به وبحياة

الإسلام، وتتحد بالعرب أتم الاتحاد، وبعد معالجة العمل سنة كاملة، اقتنعت بأن

هذه الدولة غير مستعدة للبقاء، وأن انحلالها بأيدي رجالها من أعضاء جمعية

الاتحاد والترقي ضربة لازب، وأن العرب إذا لم يؤسسوا بأنفسهم لأنفسهم بناء

للاستقلال القومي فلا بد من سقوطهم بسقوطها إن لم يسقطوا قبلها بسعيها.

وقد علمت من الآستانة أن زعماء الترك من الاتحاديين وغيرهم معتزمون

تتريك جميع العناصر الداخلة في محيط الدولة بالقوة القاهرة، وبدءوا بقتال

الألبانيين لمنعهم من استعمال لغتهم، ويثنون بالكرد ويثلثون بالأرمن، وكذلك

يفعلون بسورية والعراق من الولايات العربية إلا أن يروا الأربح لهم بيع العراق

لإنكلترة وسورية لفرنسة، وفلسطين لليهود، كما قرروا بيع طرابلس الغرب وبرقة

لإيطالية، وذلك بالسماح لكل منهم أن يتملكوا ما شاءوا في هذه الولايات بل

الممالك، ويقووا نفوذهم فيها إلى أن تسمح الفرصة باحتلالها العسكري بدون مقاومة

مخسرة، وأما البلاد المسلحة الحربية بالطبع، وهي جزيرة العرب فقد قرروا جعل

اليمن ونجد إمارتين مستقلتين في إدارتهما الداخلية تحت سيادة دولة الخلافة، إلا

الحجاز فيظل تحت حكمهم المباشر، وتلغى إمارة الشرفاء منه، ويجعل في الطائف

قوة عسكرية عظيمة كافية للسيطرة على الحجاز وغيره من جزيرة العرب لموقعه

الحربي في الوسط، وفيه المباني العسكرية الكافية التي أسسها السلطان عبد الحميد

لذلك.

وقد جعلوا وهيب بك واليا للحجاز ليمهد السبيل لذلك؛ لأنه من كبار الضباط

الشديدي الشنآن -بغض الاحتقار- للعرب وكان صرح في خطاب له في وزارة

الحربية بأنه يمكنه اكتساح سورية بستة توابير تركية والقضاء على كل حركة

عربية في البلاد، وقد ذكرت هذا في إحدى مقالاتي التي أنشأتها في الآستانة إذ

كتبت فيها تحت عنوان الترك والعرب (تركلر، عربلر) ونشرت باللغتين، وقد

كنت علمت بنبأ جاءني من الآستانة أن الدولة سترسل وهيب بك واليا إلى الحجاز

فذكرت ذلك للمندوب العثماني (القومسير) سليمان بك بابان وكان يهتم هنا بتحسين

سمعة الدولة وتحسين علاقتها بالعرب، وقلت له: أيصح في هذا الوقت أن ترسل

الدولة هذا المتهور إلى الحجاز وتجعله واليا لها؟ فقال: جانم، لا تصدق، هذه من

إشاعات أعداء الدولة! ! فتأمل.

جمعية الجامعة العربية وقسمها الأول:

وأما جمعية الجامعة العربية التي أسسناها بعد عودتي من الآستانة فكان

الغرض الأول منها أمرين: (أحدهما) السعي لاتحاد حلفي بين أمراء جزيرة

العرب للاتفاق ومنع الشقاق (والثاني) التعاون على عمران البلاد والدفاع عنها،

وللتعاون بين الجمعيات العربية في سورية والعراق وغيرهما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٣٠