علمه عن الاقتداء بالرسول العظيم، والاهتداء بسيرة السلف الصالح، ولم يزل
قدمه في مهاوي الإسرائيليات، ولم يدخل في جدال مناقشات الطوائف التي جعلت
من الإسلام والمسلمين شيعا وأحزابا، فهو إذا أتى على تفسير الجنة والنار مثلا قال:
إنها من عالم الغيب لا يجب أن نتعدى فيها قول الرسول المعصوم عملا بقوله
تعالى [3] : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (النحل: 44) وهذا
ما يدل على رجاحة العقل وكبح جماح الهوى، وأن يقف في الدائرة التي وضعها
الله في كتابه العزيز؛ لأن القرآن قبل كل شيء هو كتاب هداية وإرشاد، قال تعالى:
﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب﴾ (ص: 29)
﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (النساء: 82)
وقد اقتفى الأستاذ السيد رشيد رضا أثر أستاذه الشيخ محمد عبده في التفسير
سواء فيما وضعه من الآراء في الخمسة الأجزاء الأول، أو الباقي من التفسير حتى
الجزء العاشر.
وإن من يتصفح العشرة الأجزاء من التفسير الذي أخرجه الأستاذ العلامة السيد
رشيد رضا يعلم منها سعة اطلاع المؤلف وغزارة معارفه وأمانته في النقل، وشدته
على خصومه في الرأي، وإن الزمن الطويل الذي سلخه في إخراج تفسيره هو ما
يزيد على العشرين سنة مع مثابرته على إخراج مجلة المنار أكثر من ثلاثين عاما -
تشهد لحضرة العلامة المؤلف بقوة الإرادة التي لم توجد في رجال المعاهد الدينية
الإسلامية لا متفرقين ولا مجتمعين، والإسلام يطعن من كل جانب من أهله ومن
غير أهله، ولا يوجد من يدفع عنه بصبر وثبات غير هذا المؤلف الشجاع يناضل
أكثر من ثلاثين عاما ضد البدع والضلالات من الملحدين والمبشرين وغيرهم، ممن
جعلوا هدم الإسلام غايتهم، واستعباد المسلمين هدفهم.
لقد قرأت العشرة الأجزاء التي أخرجها المؤلف وهي تعتبر دائرة معارف فقهية
إسلامية، وإذا كان هناك بعض ملاحظات فهي تأتي من ناحية استطراد المؤلف في
بعض الموضوعات التي تخرج التفسير عن غرضه، كالكلام على ترجمة القرآن
مثلا فتقع في 49 صفحة من الجزء التاسع، وبشارة التوراة والإنجيل بنبينا
صلى الله عليه وسلم فتقع في 70 صفحة، وترجمة عزير أو عزرا والثالوث عند
الكلام على الآية الكريمة {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن
الله ذلك قولهم بأفواههم} (التوبة: 30) ... إلخ في 34 صفحة في الجزء العاشر.
إن طبيعة الأستاذ العلامة هي إلى النضال والكفاح أقرب منها إلى المسالمة،
فهو إذا ما اعترضه خصومه في الرأي قذفهم بوابل حججه وأسانيده، وأخذ عليهم
المسالك، وسد عليهم الطرقات، وقد ينسيه حب الغلبة والقهر - في سبيل ما يعتقد
أنه الحق - الدائرة التي وضع نفسه فيها، وكان يكفي في مثل هذه الموضوعات
التي ذكرناها الإيجاز، وخصوصا فيما يختص بالتوراة والإنجيل وأسانيدها إذ ورد
عن المعصوم صلوات الله عليه وسلامه أننا لا نكذب ما جاء بها ولا نصدقه -
موقف حياد - وقد ذكر الأستاذ ذلك في عدة مواضع وكان يجب عليه أن يقف عند
ذلك.
توجد بعض استطرادات أخرى خلافية، مثلا عند تفسير الآية: {قال النار
مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله} (الأنعام: 128) سورة الأنعام، وقد عقد
الأستاذ المؤلف فصلا في الخلاف في أبدية النار وعذابها يقع في ثلاثين صفحة،
وإن كان هذا الكلام يعد من صلب الموضوع إلا إني أرى أن التلخيص والإيجاز
أقرب إلى الفهم وأبقى في الذاكرة من الإسهاب والإطناب.
لا يمكننا أن نفي حق العلامة المؤلف في مثل هذه العجالة الصغيرة من الثناء
والتقدير.
إن ما يجب أن أذكره لحضرة مؤلفنا الفاضل من الميزات التي يتفوق بها على
أقرانه اعتصامه بالحديث وتحري صحيحه، وهذا ما يجعل حجته أقوى ضد
خصومه، وكفته راجحة. وإنه ما أضعف المسلمين ولا فرقهم إلا التمسك بآراء