11.79-80
قوله تعالى: ﴿ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ﴾؛ أي ميلنا إلى الغلمان دون النساء، قوله تعالى: ﴿ قال لو أن لي بكم قوة ﴾؛ أدفعكم بها عن أضيافي، ويمكنني، ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾؛ إلى قبيلة أستغيث بها على دفعكم لمنعتكم أشد المنع عما تحاولون.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" رحم الله أخي لوط لقد آوى إلى ركن شديد "
أي التجأ إلى الله وملائكته، وقال ابن عباس: (فلما علم جبريل والملائكة خوف لوط من تهديد قومه، وقد كان لوط أغلق الباب على نفسه وعلى الملائكة وهو يناشد قومه، قال له جبريل: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود).
11.81-83
قوله تعالى: ﴿ قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فقام جبريل في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه وضرب به وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم.
فقال لوط عليه السلام متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، قال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ وذلك قوله تعالى:
ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم
[القمر: 37].
ثم قالوا له: ﴿ فأسر بأهلك ﴾؛ وفيه قراءتان (فأسر) بالهمز والوصل، يقال سرى وأسرى بمعنى واحد، قوله تعالى: ﴿ بقطع من الليل ﴾؛ أي في آخر الليل عند السحر والهدوء، وقال الضحاك: (بقطع أي ببقية)، وقال قتادة: (بعد ما مضى صدره)، ﴿ ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ﴾.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (امرأتك) رفعا على الاستثناء من الإلتفات؛ أي ولا يلتفت أحد إلا امرأتك، فإنها تلتفت فتهلك. وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراء؛ أي فاسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها. قوله تعالى: ﴿ إنه مصيبها مآ أصابهم ﴾؛ ظاهر المعنى.
قوله تعالى: ﴿ إن موعدهم ﴾؛ أي قالت الملائكة: إن وقت هلاكهم، ﴿ الصبح ﴾؛ فقال لوط: الآن يا جبريل، وإنما ذلك لضيق صدره منهم وشدة غيظه، فقال جبريل: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ ، وفي هذا بيان أن الله لا يهلك أحدا قبل انقضاء مدته، وإن ضاقت صدور أوليائه عنه.
وعن ابن عباس: (أن جبريل لما قال للوط: فاسر بأهلك بقطع من الليل، قال لوط: يا جبريل كيف أصنع وأبواب المدينة قد أغلقت، فجمع له جبريل أهله وبقره وغنمه وماله، واحتملهم على جناحه حتى أخرجهم من المدينة، فانطلق بهم متوجها إلى صغر، وهي على أربعة فراسخ من مدائن لوط، وهي إحدى القرى الخمس: سدوم وداد وماو وعامورا وصغر، ولم يكن أهل صغر يعملون عملهم، وكان في كل مدينة ألف مقاتل، فما سار لوط فرسخين حتى سمع الصيحة).
كما روي أن جبريل عليه السلام جعل جناحه في أسفلها فرفعها من الأرض السابعة إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها وجعل أسفلها أعلاها، وأعلاها أسفلها، وأقبلت تهوي من السماء إلى الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿ فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾؛ قال وهب: (لما رفعت إلى السماء أمطر الله عليها حجارة الكبريت بالنار، ثم قلبت عليهم).
قوله تعالى: ﴿ وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ قيل: أمطر الله الحجارة على شذاذهم ومسافريهم. واختلفوا في السجيل، فقيل: هو فارسية معربة، وفيه بيان أن تلك الحجارة كانت شديدة صلبة، نحو ما يطبخ من الطين فيصير كالآجر وأصلب منه، يدل عليه قوله تعالى:
لنرسل عليهم حجارة من طين
[الذاريات: 33]. وقال بعضهم: هو من سجيل وهو الإرسال، فيكون معناه: حجارة مرسلة، ويقال: السجيل: سماء الدنيا، وقيل: السجيل والسجين: الشديد من الحجر.
قوله تعالى: ﴿ منضود ﴾؛ أي بعضهم فوق بعض. وقوله: ﴿ مسومة ﴾؛ أي معلمة بعلامة المعاقبين، وكانت مخططة بالسواد والحمرة والبياض. وقيل: كان مكتوب على كل حجر اسم من هلك به. وقوله تعالى: ﴿ عند ربك ﴾؛ أي أعلمتها الملائكة في السماء بأمر الله.