تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.32

قوله تعالى: ﴿ قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾؛ أي قالوا: يا نوح قد خاصمتنا فيما دعوتنا إليه من دين غير آبائنا، فأكثرت خصومتنا ودعاءنا، فلا نقبل منك، ﴿ فأتنا بما تعدنآ ﴾؛ أي بما تعدنا أن الله يعذبنا على الكفر، ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾؛ أراد بهذا القول أن يلبسوا على ضعفائهم أن نوحا عاجز عن إنزال العذاب بهم.

11.33

قوله تعالى: ﴿ قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ﴾؛ أي إن العذاب ليس بيدي، ولكن الله هو الذي يقدر عليه، فينزله عليكم إن شاء، ﴿ ومآ أنتم بمعجزين ﴾؛ من إنزال العذاب بكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن نوحا عليه السلام كان إذا جادل قومه ضربوه، فإذا أفاق قال: اللهم اهد قومي؛ فإنهم لا يعلمون ".

11.34

قوله تعالى: ﴿ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ﴾؛ معناه: قال لهم: لا ينفعكم دعائي، وتحذيري إياكم إن أردت أن أحذركم من عذاب الله إن كان الله يريد أن يضلكم عن الهدى مجازاة بعملكم، فإن إرادة الله فوق إرادتي، ويكون ما يريد لا ما أريد.

فإن قيل: كيف يجوز أن تكون إرادة إبليس موافقة لإرادة الله، وأرادة نوح مخالفة لإرادة الله؟ فالجواب: إن الله تعالى شاء لأؤلئك القوم الكفر، وشاء لنوح أن يسألهم الإيمان، وشاء لإبليس أن يسألهم الكفر، فالكل بمشيئة الله تعالى. ويقال: معنى قوله: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ إن كان الله يريد أن يهلككم، وينحيكم من رحمته بكفركم، كما قال:

فسوف يلقون غيا

[مريم: 59] أي هلاكا وعذابا، والغي قد يكون بمعنى الخيبة، كما قال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره

ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

أي ومن يخب، يقال: غوى الرجل يغوي غيا؛ إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه، ومنه

وعصى ءادم ربه فغوى

[طه: 121] أي فسد عليه عيشه في الجنة، وهذا يؤول أيضا إلى معنى الخيبة فيها فساد العيش.

وذكر الحسن في معنى الآية: (لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب، فاستدركوا أمركم قبل نزول العذاب لتنتفعوا بنصحي). قوله تعالى: ﴿ هو ربكم ﴾ أي مالككم يقدر على إنزال العذاب بكم، ﴿ وإليه ترجعون ﴾؛ أي إليه مصيركم بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم.

وهذه الآية مما يحتج بها أن الشرط إذا اعترض على الشرط من غير أن يتخللهما الجواب، كان الشرط الثاني مقدما على الأول في المعنى، حتى لو قال قائل: إن دخلت الدار، إن كلمت زيدا فعبدي حر، لا يحنث حتى يكلم ثم يدخل. فيكون تقدير الآية: ولا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم.

التفسير الكبير · الصفحة ٨٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٨٨٨