تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.5

قوله تعالى: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ﴾؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، كان حين يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر، وكان حسن الحديث، إلا أنه كان يضمر في قلبه خلاف ما يظهر، فأنزل الله في أمره هذه الآية).

يقال: إن طائفة من المشركين بلغ بهم الجهل إلى أن قالوا: إنا اذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله نبيه عليه السلام عما كتموه. ومعنى الآية: ألا إنهم يثنون صدورهم على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليكتموا منه ما في صدورهم من عداوته بإظهار المحبة. ويقال: معنى (يثنون) يعرضون بصدورهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: ﴿ ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾؛ معناه: ألا حين يتغطون بثيابهم يعلم الله ما يسرون بقلوبهم وفيما بينهم وما يظهرون من محبة أو غيرها، ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾؛ أي عالم بالقلوب التي في الصدور، لأن الصدور مواضع القلوب.

11.6

قوله تعالى: ﴿ وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ﴾؛ أي ما من حيوان يدب، قال الزجاج: (الدابة اسم لكل حيوان مميز وغيره، ذكرا كان أو أنثى).

وفي الآية بيان أن الله عالم بالقلوب كلها، وذلك أنه إذا كان ضامنا رزق كل دابة في الأرض، فليس يرزقها إلا وهو يعلم صغيرها وكبيرها، من الذر فما فوقها وما دونها، وإذا علمها فقد علم مستقرها ومستودعها، المستقر موضع قرارها وهو الموضع الذي تأوي إليه، والمستودع هو الموضع الذي تودع فيه، قيل: إنه الرحم، وقيل: هو الموضع الذي تدفن فيه.

وقال قتادة ومجاهد: (أما مستقرها ففي الرحم، وأما مستودعها ففي الصلب) ﴿ كل ﴾؛ ذلك عند الله، ﴿ في كتاب مبين ﴾؛ يعني اللوح المحفوظ، والمعنى: أن ذلك ثابت في علم الله.

قوله تعالى: ﴿ إلا على الله رزقها ﴾ قال المفسرون: فضلا لا وجوبا، والله تكفل بذلك بفضله. قال أهل المعاني (على) هاهنا بمعنى (من)، المعنى: إلا من الله رزقها. قوله تعالى: ﴿ كل في كتاب مبين ﴾ أي رزق كل دابة وأجلها مكتوب في اللوح.

قال ابن عباس: (إن مما خلق الله تعالى لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء، عرضه ما بين السماء والأرض، كتابه نور وقلبه نور، ينظر الله تعالى فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء)، قال أبو روق: (أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم يسمى ماطوتون).

التفسير الكبير · الصفحة ٨٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٨٧٦