تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.38-39

قوله تعالى: ﴿ ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ أي لما أخذ نوح في علاج السفينة. ويروى أنه استأجر أجراء ينحتون معه، وكلما مر ملأ من قومه هزئوا به لمعالجته السفينة؛ لأنهم كانوا يرونه يعمل السفينة مع أنه لم يكن بقربه ماء، وكان من لدن آدم عليه السلام إلى نوح يسقون من ماء المطر، فلا بحر ولا نهر جار، فكانوا يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ الضال يصنع هذه السفينة يخوفنا بالغرق، ويجعل للماء أكافا فأين الماء؟! وكانوا يقولون في كلامهم: فرغت من أمر النبوة، وأخذت في أمر النجارة! وكانوا يرونه ينجر الخشب وهي شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك، قال أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكن هناك قبل ذلك سفينة، فكانوا يتضاحكون ويعجبون من عمله.

و ﴿ قال ﴾؛ لهم نوح: ﴿ إن تسخروا منا ﴾؛ الآن، ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾؛ عند نزول العذاب، ﴿ كما تسخرون ﴾؛ أنتم الساعة؛ أي إن كنتم تسخرون منا لما ترون من صنعة الفلك، فإنا نعجب من غفلتكم عما أضلكم، ﴿ فسوف تعلمون ﴾؛ من أحق بالسخري منا ومنكم، وتعلمون، ﴿ من ﴾؛ الذي، ﴿ يأتيه عذاب يخزيه ﴾؛ في الدنيا، ﴿ ويحل عليه ﴾؛ وينزل عليه، ﴿ عذاب مقيم ﴾؛ دائم في الآخرة.

11.40

قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها ﴾؛ قال ابن عباس: (وذلك أن الله أوحى إليه أن موعدك أن يخرج الماء من آخر مكان في دارك وهو تنور الخابزة، تنور آدم عليه السلام كان يوم حج نوح عليه السلام رأى تنور آدم عليه السلام فحمله معه، ووهبه الله تعالى له).

ثم قال له: إذا رأيت الماء قد فاض منه فاحمل في السفينة ما أمرت به من أجناس الحيوان، ﴿ من كل زوجين اثنين ﴾؛ واحمل؛ ﴿ وأهلك إلا من سبق عليه القول ﴾؛ بالعذاب وهي امرأته الكافرة وابنه كنعان استثناهما الله من جملة أهله.

قوله تعالى: ﴿ ومن آمن ﴾؛ أي احمل من آمن معك أيضا في السفينة، وقال ابن عباس وعكرمة والزهري: (معنى قوله تعالى: ﴿ وفار التنور ﴾ أي انبجس الماء على وجه الأرض). وقال علي رضي الله عنه: (وفار التنور؛ أي طلع الفجر).

وقوله تعالى: ﴿ جآء أمرنا ﴾ أي عذابنا، وقوله تعالى: ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ أي احمل في السفينة من كل زوجين اثنين، الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة؛ قالوا: (ذكرا وأنثى).

فلما فار الماء من التنور أرسل الله السماء بمطر شديد، فأقبلت الوحوش حين أصابها مطر السماء إلى نوح وسخرت، فحمل في السفينة من كل طير زوجين، ومن كل وحش زوجين، وكل دابة وبهيمة زوجين، ومن كل سبع زوجين، وحمل من البقر والغنم خمسة أزواج.

وبعث الله جبريل فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحية فحملها في السفينة، وكانت السماء تمطر، وكان هو عند قومه يحذرهم حتى ابتلت أقدامهم، وصار الماء إلى الكعبين، ثم حذرهم حتى صار الماء إلى نصف الساق، ثم حذرهم حتى صار إلى الركب وإلى الحقوين، كل ذلك يحذرهم وينذرهم، وكان ينوح ويبكي عليهم، وقال ابن عباس: (سمي نوحا، لأنه كان ينوح على الإسلام حيث لم يقر به قومه).

فلما بلغ الماء الشدوة قال: غرق قومي، ثم قال لابنه كنعان: (يا بني اركب معنا) فكثر الماء حتى صار فوق الجبال خمسة عشر ذراعا بالذراع الأول، وكان للسفينة ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض، حمل في الباب الأسفل السباع والهوام، وفي الباب الأوسط الوحش والبهائم، وفي الباب الأعلى بني آدم، وكانوا ثمانين إنسانا، أربعين رجلا وأربعين امرأة، سوى التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، ونساؤهم وإثنان وسبعون إنسانا فيهم الخضر وهو ابن بنت نوح.

واختلفوا في مقدار السفينة، قال الحسن: (كان طولها ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع)، وقال ابن عباس: (كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها ثلاثين) وهو قول قتادة قال: (وكان لها بابان في عرضها).

التفسير الكبير · الصفحة ٨٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٨٩٠