23.64
قوله تعالى: ﴿ حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ﴾؛ أي حتى إذا أخذنا أعيانهم ورؤساءهم بالقتل يوم بدر وبما يرون من العذاب وقت المعاينة، وقال الضحاك: (بالجوع حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسنين يوسف "
فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا العظام والجيف والكلاب والأولاد والقذر). قوله تعالى: ﴿ إذا هم يجأرون ﴾ أي يصيحون ويصرخون بالتوبة، وقيل: يجرعون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع.
23.65-67
قوله تعالى: ﴿ لا تجأروا اليوم ﴾؛ وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله
لا تركضوا وارجعوا
[الأنبياء: 13]، قوله تعالى: ﴿ إنكم منا لا تنصرون ﴾؛ أي لا تمنعون من عذابنا. قوله تعالى: ﴿ قد كانت آياتي تتلى عليكم ﴾؛ أي تقرأ عليكم في الدنيا، يعني القرآن، ﴿ فكنتم على أعقابكم تنكصون ﴾؛ أي تولون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به، قوله تعالى: ﴿ مستكبرين به ﴾؛ أي متعظمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم.
قوله تعالى: ﴿ سامرا تهجرون ﴾؛ أي سمارا تهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، والهجر: هجر الحق بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه. والسمر: الحديث بالليل، كانوا يتحدثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام والمسلمين، وإنما وحد (سامرا) لأنه في موضع المصدر.
قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى ﴿ قد كانت آياتي تتلى عليكم ﴾ الآية). ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحق، وهو قول السدي والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبوا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع: (تهجرون) أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر هجره وجب هجره).