23.30
قوله تعالى: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾؛ معناه: أن في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، ﴿ وإن كنا لمبتلين ﴾ أي ما كنا إلا مبتلين بإرسال الرسل إليهم؛ أي مختبرين إياهم كيف نرى طاعة المطيعين ومعصية العاصين.
23.31-32
قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾؛ أي ثم خلقنا من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين يعني: عادا، ﴿ فأرسلنا فيهم رسولا منهم ﴾؛ يعني هودا عليه السلام فإن أول نبي بعد نوح هود عليه السلام فقال لهم: ﴿ أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾؛ إلى آخر الآية.
23.33
قوله تعالى: ﴿ وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة ﴾؛ أي جحدوا البعث والنشور، ﴿ وأترفناهم في الحياة الدنيا ﴾؛ أي متعناهم في الحياة الدنيا وأعطيناهم من نعيم العيش ووسعنا عليهم ونعمناهم؛ أي قال أشراف قوم هود ورؤساؤهم الذين جحدوا بالبعث والنشور ومتعناهم في الحياة الدنيا: ﴿ ما هذا ﴾؛ أي ما هو ﴿ إلا بشر مثلكم ﴾؛ أي آدمي مثلكم، ﴿ يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ﴾؛ أي يأكل من الطعام الذي تأكلون منه؛ ويشرب من الذي تشربون، فليس هو بأولى بالرسالة منكم.
23.34-36
قوله تعالى: ﴿ ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ﴾؛ معناه: لئن أطعتم آدميا بشرا مثلكم إنكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم حيث عبدوا أصناما لا تضر ولا تنفع، ولم يعدوا ذلك خسرانا، والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم.
ثم عدوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا، قالوا: ﴿ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ﴾؛ أي وصرتم، ﴿ ترابا وعظاما ﴾؛ بالية؛ ﴿ أنكم مخرجون ﴾؛ أي أن تخرجوا من قبوركم، ﴿ هيهات هيهات لما توعدون ﴾؛ أي بعدا بعدا لما تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ (هيهات) سبع قراءات بالنصب والكسر والرفع والتنوين وغير التنوين والسكون، فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)، وقيل: لأنها أداة مثل خمسة عشر وبعلبك، ومن رفع جعله مثل (منذ وقط وحيث)، ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر:
تذكرت أياما مضين من الصبا
وهيهات هيهاتا إليك رجوعها
وقال آخر:
لقد باعدت أم الحمارس دارها
وهيهات من أم الحمارس هيهاتا هيهات
ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله (مخرجون)، والتقدير (هيهات) أي هو الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل هيهاه بالهاء) وقال الفراء: (كان الكسائي يختار الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التاء لأنها ليست هاء التأنيث). وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة بيضات) يعني في التأنيث، فإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء.