ألمانية في الحرب إلا الصدر الأعظم (الأمير سعيد حليم) وتكلمنا في مسألة الخطر
على الدولة من دخول الحرب وما يجب على الحجاز لوقايته من الخطر إذا هي
فعلت، وأخبرني أن جميع قبائل العرب قد خضعت لوالده وعاهدته بعد حادثة
وهيب بك الوالي ومحاربة الإدريسي حتى قبيلة حرب العظيمة، ولكنه لم يخاطب
أحدا من الأعراب المحافظين على سكة الحديد الحجازية؛ لأنهم ينتفعون من الدولة
ولا شأن لهم.
وجملة القول أنه ازداد اقتناعا بوجوب العمل بمقتضى مقاصد الجامعة العربية
وبأن والده أخطأ بمحاربة الإدريسي بإغراء الدولة، وكان هو أخبرني من قبل أن
الدولة كلفته ذلك، أخبرني قبل وقوع الحرب منصرفه من الآستانة فحذرته من
الوقوع في هذه الورطة فوعدني بأن يبلغ والده ذلك ويجتهد في إقناعه وقد فعل كما
أخبرني ولكن والده لم يقبل منه، والسبب الصحيح لقتال الإدريسي أن الشريف
حسينا كان يريد الاستيلاء على عسير وضمها إلى الحجاز ويعلم أنه لا يقدر على
الإدريسي بقوة الحجاز التي يقدر على القتال بها، فافترص سخط الدولة عليه
لإسقاط إمارته بقوتها النظامية مع القوة الحجازية البدوية، وعذر ولده عبد الله
وغيره من أولاده استبداده وشدة عناده معهم كغيرهم، فكان هذا أكبر مساويه
المحيطة لمحاسنه رحمه الله.
رجع عبد الله وفيصل إلى الحجاز والأول مقتنع بخطة جمعية الجامعة العربية
ومنها أن يستعد العرب لاستقلالهم واتقاء سقوطهم بسقوط الدولة العثمانية الذي أمسى
في نظرها ضربة لازب واتقاء السعي لإسقاطها بثورة لهم عليها، وكنت أقدر له
أمدا لا ينقص عن ثلاثين سنة، وفيصل مقتنع بوجوب بقاء الارتباط بالترك
والتابعية للدولة العثمانية كما أخبرني هو نفسه بعد، وهذا هو السبب لعدم جمع عبد
الله بيني وبينه في مصر، كما أننا لم نجتمع في الآستانة.
عاد الشريفان إلى والدهما في مكة المكرمة وعبد الله أقرب إلى رأي أبيه من
فيصل فقد كانا يكرهان الترك وزادتهما سياسة جمعية الاتحاد والترقي كرها لهما
بسوء سيرة وهيب بك في مكة، وأما الحضر من أهل الحجاز فكانوا على رأي
فيصل كما علمت ذلك باختباري الشخصي في أثناء حجي في عهد الثورة، ولأجل
ما كان من الخلاف بين الأخوين في الرأي لم يجمعني الشريف عبد الله بأخيه في
مصر، ولم يطلعه على نبأ جمعية الجامعة العربية، عادا في آخر رمضان أو في
أيام عيد الفطر، وما جاء عيد النحر إلا وقد أعلن فيه سقوط الدولة في نار الحرب،
وما جاء عيد النحر التالي سنة 1323 إلا وأنا أطوف مع الشريف حسين طواف
الإفاضة في البيت الحرام، ثم أخطب بين يديه في منى تلك الخطبة السياسية
الحكيمة على أساس الجامعة العربية، وهو يصدقني في كل ما أقول، ولم يلبث أن
قلب الإنكليز رأيه بعد عودتي إلى مصر كما فصلته في المنار، ولم ألق فيصلا في
الحجاز أيضا، وسأذكر في الفصل التالي خبر تلاقينا في بيروت ثم في دمشق بعد
بيان وجيز للفرق بينه وبين أخيه عبد الله في السياسة، وأذكر حنث الأمير عبد الله
بيمينه للجامعة العربية.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) بيع الشفاعة مشروع اخترعه لجمعية الاتحاد والترقي الشيخ عبد العزيز شاويش خلاصته وضع سجلات في المسجد النبوي الشريف يكتب فيها اسم كل من يتبرع بمبلغ من المال لأجل نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ويعطى بذلك صكا، فقررت الدولة تنفيذه على أن ينفق منه على تأسيس مدرسة كلية لتعليم المسلمين تعليما دينيا سياسيا لمصلحة الدولة والجمعية.
(2) كان لنا في الحجاز والآستانة وغيرها إخوان يخبروننا بكل ما يهمنا في خدمة الأمة ومنه أن الشريف حسينا مخالف لمشرب المنار السلفي.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">