تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الضعف والانحلال، والمدعون للإمامة العظمى فينا بين معتزل في شاهق جبل قد

ضاقت به الحيل، لا يعرف من أمر من وراءه من المسلمين عرفا ولا نكرا، أو لا

يعرفون من أمره نهيا ولا أمرا. وبين ناعم في قصور جنانه بين قنانيه وقيانه،

مستبد في سلطانه، عاص لربه مطيع لشيطانه، مفقر لرعيته ملن لأخدانه، مستغن

بمدح كذبة الجرائد، وخطباء الفتنة في المساجد، يتلون بين يديه في كل جمعة {يا

أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء: 59)

غشا للأمة وتضليلا، ويسكتون عن قوله تعالى بعده: {فإن تنازعتم في شيء

فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) ولسان حال الرعايا يجيبهم بقوله عز وجل: {وقالوا ربنا إنا

أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا

كبيرا} (الأحزاب: 67-68) .

كنت كتبت في فاتحة السنة الأولى للمنار، أن من أصول خطته: بيان حق

الإمام على الأمة، وحقوق الأمة على الإمام: فلما قرأتها على الناصح الأمين

مستشيرا بها، اقترح ترميج هذه الكلمة منها. وقال: إن المسلمين لم يبق لهم

إمام إلا القرآن وإن البحث في الخلافة وما يجب على السلطان فتنة للناس، فواتيته

على حذف الكلمة، ولكن لم يسعني ترك البحث في المسألة بل نشرت في المجلد

الأول بضع مقالات في فساد حال المسلمين واضمحلالهم بإفساد أمرائهم وعلمائهم

ومرشديهم، بينت فيها مثار فساد الدنيا والدين بخروج الخلافة عن الأساس الذي

أقامها عليه الإسلام في عهد الراشدين، وكتبت بعد ذلك مقالات في الإصلاح الديني

المقترح على مقام الخلافة الإسلامية، على العلم بأنها لم تكن إلا اسمية أو وهمية،

فكان جزاء المنار على أمثال هذه المباحث الإصلاحية: تحريمه على البلاد

العثمانية، وتعذيب آل بيتنا في ديار الشام، وفاقا لما نصح لنا به الأستاذ الإمام،

بل هي التي صدت الكثيرين عن المنار، الذين كانوا يقدسون السلطان عبد الحميد

في هذه الديار، وفي سائر ما استعبد الأجانب من الأقطار، على حين يعده جميع

مسلمي العثمانيين أفضل الجهاد لإحياء الدولة والدين، ولولا الإخلاص لعدونا ذلك

النصب إلى ذرى المناصب، والمتربة إلى علو المراتب والرواتب، ولقد دعينا

إليها فأبيناها، وسئلنا الفتنة فما آتيناها، ولقد سئلها كثيرون فآتوها {وما تلبثوا بها

إلا يسيرا} (الأحزاب: 14) {سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا

مقدورا} (الأحزاب: 38) .

ونحمد الله أن كان من آثار ما أحدثت الحرب العامة من التطور العام أن

وضعت هذه المسألة موضع البحث في هذه الأيام، بعد أن دك أحرار الترك هيكل

تلك الأوهام التي كانت تشبه معابد الأصنام، فكان أهم ما يعنى به المنار من خدمة

الإسلام، أن يوفيها حقها من تحقيق أحكامها الشرعية، وبيان وسائلها العملية،

وموانعها السياسية والاجتماعية، ليكون الساعون إلى إقامتها على بصيرة من أمرهم

فيها، مهتدين بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم {إن

هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم

أجرا كبيرا} (الإسراء: 9) {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان

يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (الأحزاب: 21) .

ألا إن إقامة الإمامة هي التي تحيي هذه الأمة، ولكن أمرها لا يزال عمة ليس

وراءها غمة، وإنها لترهق محاولها صعودا وتقتحم به كؤدا وتجشمه منالا بعيدا،

يركب فيه الشبهة ويخبط في ديجوره العشوة، وإن أسعد الناس بها لأزهدهم

فيها، وإن أطمعهم فيها لأعجزهم عنها، وإن أقربهم منها لأبعدهم عنها، فلا الوسيلة

ممهدة، ولا السبيل معبدة، وإنما كل الفرصة السانحة أن مسكتي الألسنة قد أنطقوها

وحاظري إجالة الرأي فيها قد أباحوها، أهل الحرص عليها يتخبطون فيها، فوجب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣