وسائر البلاد العربية ماعدا (عدنا) وحدها
....
وما كررته جريدته (القبلة) من
الكذب والإفك في ذلك، ولا ندري ما يقول أنصاره اليوم؟! فإذا كان قد تعمد خداع
العرب عامة والفلسطينيين خاصة ليكفوا عن جهادهم، ويفوضوا إليه وإلى حليفته
إنكلترة أمر بلادهم، فكيف يدعون بعد هذا أنه يخدم العرب ويسعى لاستقلالهم؟
(وإن قالوا) : إنه هو قد خدع بهذه المعاهدة إذ لم يفهم موادها كما خدع قبلها
بمقررات النهضة الناطقة بحماية الإنكليز لبلاد العرب كلها، وإن كان هو الواضع
لها (قلنا) : أولا: إذا كان يعقد معاهدات مع أدهى الدول المرة بعد المرة، وهو لا
يفهم معناها، فكيف تتخذونه زعيما لأمتكم؟ وثانيا: إذا كان لم يفهم ترجمة
المعاهدات بالعربية، فكيف لم يفسرها له بالعامية وكيل خارجيته (فؤاد أفندي
الخطيب) ومندوبه لدى الدولة البريطانية (الدكتور ناجي الأصيل) اللذين ترجماها
له، بل وافقاه على ما فهمه منها خطأ بزعمكم؟ وثالثا: إن كانا هما اللذان خدعاه
بالترجمة أو بموافقته على سوء فهمه، فلماذا لم يعاقبهما على هذه الخيانة، ولو
بطردهما من خدمته؟ بل لماذا أعاد الدكتور إلى لندن لإتمام المساومة في شأنها،
وهو لا يزال يرجو إبرامها؟
هذا، وإنه بعد هذا يريد عقد مؤتمر عربي في (معان) بدسيسة بريطانية قد
بثت الدعاية لها في البلاد السورية كلها، وبذل من المال ما بذل في سبيلها،
وسنشرح ذلك وما يجب من تلافي ضرره في مقال آخر.
وقد كان من سوء سياسة الرجل ومقت العالم الإسلامي له أن أبطأ مسلمو الهند
فيما قرروه من مساعدة جزيرة العرب على الاستقلال، فهو العقبة في طريقها، وإن
بثت الدعوة في الهند وأفريقية الواقعة تحت السيطرة الفرنسية إلى مقاطعة الحجاز
بترك أداء فريضة الحج ما دام هذا الرجل مسيطرا عليه. ولا شك في أن هذا يسر
حليفتيه البريطانية والفرنسية، وإن لم يشعر أولئك المسلمون في الشرق والغرب
بذلك، فنحن ننكر عليهم ترك الحج الذي هو ركن الإسلام الاجتماعي العام، ونجزم
بأنه نكبة وجريمة دينية سياسية اجتماعية، وأن لديهم أسهل الطرق لإنقاذ الحجاز
مما جناه عليه هذا الرجل، وهو تعضيد الجمعية التي وضعت لحياده واستقلاله
وحفظه من كل نفوذ غير إسلامي، وسنعلن ذلك إن شاء الله تعالى في الشهر الآتي.
***
(الترك) ثم نحمد الله تعالى أن تم للترك الاستقلال المطلق بمعاهدة الصلح
الأخيرة، وقد جرأهم ذلك على التصريح بما كانوا يكتمونه من جعل حكومتهم
جمهورية، وهو ما سبقنا إلى التصريح به في العام الماضي عقب اطلاعنا على
التشكيلات الأساسية للجمعية الوطنية، وقد ألغيت الأحكام العسكرية فظهرت
المعارضة للحكومة الكمالية في مسألة الخلافة الاسمية، ومسألة أسرة السلاطين
العثمانية، التي هضمت حقوقها بحرمانها من مساواة الأمة في المناصب والوظائف،
وفي النيابة عن الأمة، ومسألة جعل الغازي مصطفى كمال باشا رئيسا للجمهورية
ورئيسا للجمعية الوطنية ورئيسا للحكومة التنفيذية ورئيسا لحزب الشعب الذي ألفه
لأجل حصر السلطة كلها فيه، فنزل عن بعض هذه الرياسات في الظاهر الرسمي
وجعلها لأقرب أعضاء حزبه منه، ولو أنه أنجز ما كان وعد به من اعتزال الحكومة
بعد نيل الاستقلال كما فعل واشنطون محرر مملكة الولايات المتحدة في أمريكة -
لأجمعت الأمم على تمجيده مع الشعب التركي ولكانت رياسته أتم، ونفعه لقومه
أعظم، ولكنه قد استهدف الآن لمقاومات كثيرة، فاتهم بأنه يسعى لجعل نفسه حاكما
عسكريا مطلق التصرف من وراء ستار الجمهورية كما جرى في البلاد الأسبانية، أو
ما هو قريب منه كما جرى في الدولة الإيطالية، واكتشفت مكيدة لاغتياله، وانطلقت
الألسنة والأقلام بالخوض في شخصه وعمله.
وظهرت في البلاد التركية - ولا سيما أنقرة - دعوة الغلو في التفرنج بجعل
الحكومة غير دينية كالجمهورية الفرنسية، وبإطلاقها للنساء والرجال حرية الإباحة