بعثة تنصير المحمديين
وبرنامج كيدها للإسلام والمسلمين
لمحمد الرشيدي بك آل الحجازي
من أركان الحرب سابقا (في برلين)
(تمهيد) إن الألمان من أكثر الأمم تسامحا في الدين أو من أقلها تعصبا فيه
على الأقل. ولكن تفريط المسلمين في تبليغ العالم الغربي حقائق العقائد والعواطف
التي أودعها الدين الحنيف في صدور أهله، والآداب العالية والأحكام العادلة التي
عامل البشر كافة، وأهل الكتاب خاصة وإفراط حشرات الشرق المؤذية (والأرمن
أشدها عداوة وخبثا في الكيد لمواطنيهم من أهل الإسلام) هذا الإفراط وذلك التفريط
قضيا بأن يقع كل أجنبي ألمانيا كان أو غير ألماني في شرك عناكب السوء هذه التي
تملأ صدره حقدا واحتقارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مع سعيها طبعا في ابتزاز
مال ذلك الأجنبي.
كنا نعلم ما يعلم كل شرقي عاشر الأوربيين والأميريكيين من انتشار
المعتقدات الغربية والتهم الباطلة بينهم في المسلمين وأنهم لا يعرفون عنهم سوى
أنهم قوم عائشون على الفطرة ولا يدرون من أمور الحياة سوى التغذي بطعام سيئ
يتناولونه بأصابعهم القذرة والارتواء بالماء والقهوة والتسلي بالتدخين والاستمتاع
بالنساء بالتزوج منهن بغير حساب؛ لأنهن لسن إلا متاعا للشهوة البهيمية، يشترين
كما تشترى الأنعام ويلفظن كما تلفظ النواة بغير مراعاة لحالتهن ولا لحقوقهن، وإن
أطيب الطيبات عندهم سفك دماء المسيحيين.
وكنا نعمل على قدر الاستطاعة في تفهيم الأمم التي نحتك بها أن الدين
الإسلامي مثل سائر الأديان التي تأمر بالخير وتنهى عن الشر، وأنه أوصى بصفة
خاصة بمراعاة أهل الكتاب وبمجاملة المسيحيين الذين وصفهم بأنهم أقرب الناس
مودة للذين آمنوا، ولم يأمر بمعاداتهم وبقتالهم إلا عند بغيهم وعدوانهم على
المسلمين، وأن مركز المرأة في الإسلام أفضل وأكمل ضمانة لسعادتها وسعادة
عائلتها من مركزها في أي أمة متمدينة من أمم أوربة وأميريكة، وأن تأخرها عن
المرأة الأوربية أو الأميريكة في الرقي العلمي والاجتماعي لم يكن إلا نتيجة الأسباب
التي أدت لتقهقر مدنية الرجال أنفسهم في الشرق، تلك الأسباب التاريخية والسياسية
القديمة والحديثة التي لسوء نيات الأمم الأوروبية فيها عمل كبير، وأن المسلمين
ليسوا أقل نشاطا من غيرهم بل إنهم من أكبر الأمم استعدادا لعظائم الأمور، كما
تدل عليه آثارهم في العلوم والفنون والصناعات التي تدين بها الأمم الغربية لهم
وأعمالهم في الظروف العصيبة الحاضرة.
ولكن كانت دائرة عملنا ولا تزال ضيقة لقلة كفاءتنا العلمية الدينية في بسط
شئون الدين الحنيف بسطا وافيا شافيا، وقلة كفاية وسائلنا المادية لتوسيع نطاق هذا
العمل العظيم.
ولقد كنا نفكر دائما في اقتراح القيام بهذه المهمة الدقيقة الجسيمة على
الاختصاصيين بالشئون الدينية، ولكننا كنا من جهة أخرى نظن أن الدولة العثمانية
التي كان ولا يزال لها من الاستقلال والوسائل المادية والأدبية ما يمكنها من هذا
العمل الضروري للعالم الإسلامي عموما، ولها هي نفسها خصوصا قد فكرت في
الأمر وسعت في القيام به دفعا لتطاول الأعداء على الدين وعليها؛ إلا أن قضية
مقتل طلعت باشا وأسبابها ونتائجها وما رأيناه في أثنائها وبعدها، دلتنا على أن هذه
الدولة الإسلامية الكبيرة لم تفكر إلى الآن في هذا الواجب.
نعم بينت لنا هذه القضية الحالة النفسية لدى القضاة والمحامين وغيرهم من
الموظفين ولدى الشعب الذي عد تبرئة ذلك المجرم الأرمني عملا منطبقا على
العدالة تمام الانطباق