يزيد الممعود الدوي دوى، والغذاء الخشن يزيد المتمعدد القوي قوى {ولقد صرفناه
بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا * ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا * فلا
تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} (الفرقان: 50-52) .
ما كل من أعرض عن آيات الله في القرآن، يستطيع أن يعرض عما يصدقه
من آياته في الأكوان، ومن آياته الماثلة أمام الناظرين، فضيحة هذه المدنية المادية
التي فتنت أوربة بها المسلمين، فقد ظهر لهم ما كان خفيا من فسادها، وذهب
بهيبتها ما كان من الفظائع في حربها. ومن آياته أن ثل عروش دولها المقهورة،
وزلزل أركان دولها المنصورة، وضعضع ثروتها، وأوقع الاضطراب في
معيشتها. ومن آياته أن نقض غزل عهودها أنكاثا. واجتث شجرة وحدتها اجتثاثا.
فبدت خبايا نبائثهم، وفضحت خفايا خبائثهم. ومن آياته أن أذل جبروت أعظم
دولة قاهرة بفئة من أضعف دولة مقهورة. فوطئ بها شم معاطسهم، وطأطأ من
إقماح أرؤسهم، وطأمن من إفراط تغطرسهم. حتى جنحت تلك الدولة العاتية
المتكبرة إلى مصالحة تلك الفئة التي كانت تسميها المشردة المتمردة. واضطرت
إلى الرضى بمساواتها في مؤتمر السلم، بعد أن كانت تستكبر أن توقفها موقف
المجرم لسماع الحكم. ومن آياته أن سخر ما بقي من قوة الأمة الروسية لحفظ ما
بقي من استقلال الدولة التركية بعد أن كانت هي الخطر على استقلالها، والمجدة في
تقطيع أوصالها. ومن آياته أن أبطر الأمم الغالبة بمظهر غلبتها، وإن لم تكن
بمحض قوتها، فأصرت على غيها، واستمرأت مرعى بغيها، لتحق عليها
كلمة الانتقام من الظالمين، وتدمير فسقة المسرفين {لقد استكبروا في أنفسهم
وعتوا عتوا كبيرا} (الفرقان: 21) ? {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها
ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء: 16) .
عسى أن يكون الباغون قد بلغوا أوج العلو ولم يبق إلا الهوي، وأن يكون ما
بلغناه هو منتهى الحدور وما ثم إلا الرقي، فإن الوقوف في عالم الحياة محال،
وإنا وإياهم لفي انتقال وإنا كلا منا لعرضة للغرور فيه والضلال، وإن الغرور
لمحبطة للعمل، وإن الضلال لمدرجة للزلل، وإنا ليعوزنا من القوة والبصيرة في
بطء الصعود، فوق ما يعوزهم من الحكمة والروية في سرعة الهبوط، وإنهم
لأعلم منا بسنن الله في البشر، وبأيديهم ما ليس بأيدينا من وسائل الحذر، وأسباب
اتقاء الخطر، وإنا لا ينبغي لنا أن نغتر بما نرى من تفرق قوتهم، مع ما نعلم
ويعلمون من عدم اجتماع قوتنا، ولا بما انفصم من عروة وحدتهم، ولما نوثق
عروة وحدتنا. فإن عطف بعضهم على بعضنا عطفا سياسيا سلبيا، فإن منا من
يواليهم على أمته ولاء إيجابيا {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك
بصيرا} (الفرقان: 20) {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه
وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم
أضل سبيلا} (الفرقان: 43-44) .
قد كان لنا جامعتان سعد سلفنا بالاعتصام بهما، وشقي خلفنا بالتفرق
والاختلاف فيهما: جامعة علمية روحية وهي كتاب الله وما بينه من سنة خاتم
النبيين، وجامعة سياسية عملية وهي الإمامة العظمى وما بينها من سيرة خلفائه
الراشدين، وهدي السلف الصالحين، وهذه متممة للأولى ومنفذة لها، وإن الله
يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، تفرقنا في القرآن بالتأويل فذهبنا مذاهب جعلت
الملة الواحدة مللا، وتفرقنا في الإمامة بالعصبيات فصارت الأمة أمما والدولة دولا،
ثم أعرضنا عن كل من الجامعتين كلتيهما، وبطل الاقتداء بالإمامين مع احترام
اسميهما أو كلمتيهما، فجمد بعضنا على ظواهر بعض الكتب التقليدية، وفتن
بعضنا بالقوانين والنظم الأوربية، وروابط شعوبها الجنسية والوطنية، وآدابها
وعاداتها الشخصية والاجتماعية، ومرت القرون وتعاقبت الأجيال ونحن على هذا