تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.43

قوله تعالى: ﴿ ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ﴾؛ نظر من هو في الظاهر مستمع إلى كلامك، وطالب الانتفاع به، وليس في الحقيقة كذلك، قوله:

أفأنت تسمع الصم

[يونس: 42] أي كما لا يقدر أن يسمع كلامك الصم، فكذلك لا يقدر على أن ينتفع من كلامك غير طالب الانتفاع به، وكما أنك لا تقدر على أن تبصر العمي، فكذلك لا تقدر على أن تنفع بما يأتي من الأدلة من ينظر ولا يطلب الانتفاع بها. وفي الآية ما يدل على تفضيل السمع على البصر؛ لأنه تعالى ذكر مع الصم فقدان العقل، ولم يذكر مع العمى إلا فقدان البصر.

10.44

قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يظلم الناس شيئا ﴾؛ أي لا ينقص من حسناتهم، ولا يزيد في سيئاتهم ما يمنعهم الانتفاع بكلامه وأدلته، ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾؛ بأن لا يطلبوا الانتفاع به ويعرضوا عن التفكر فيه، أخبر الله في هذه الآية أن تقدير الشقاوة عليهم لم يكن ظلما منه؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء من الله عز وجل.

10.45

قوله تعالى: ﴿ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ﴾؛ أي ويوم يجمعهم في الموقف كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من النهار، وفي هذا بيان أن المكث في الدنيا وإن طال، كان في جنب الآخرة بمنزلة ساعة من النهار. قوله تعالى: ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ أي يعرف بعضهم بعضا، ويكون في معرفة بعضهم لبعض حسرة على من ضل بقيام الحجة عليهم.

وقال ابن عباس: (وذلك حين يخرجون من قبورهم ثم تنقطع المعرفة)، وقيل: معناه: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من نهارهم، وقال الضحاك: (قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم، فصار كالساعة من النهار لهول ما استقبلوا من آخر البعث والقيامة، يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا، يقول كل كافر لآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وأنت أورثتني دخول النار بما علمتني وزينته لي). قوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله ﴾؛ أي غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت بذهاب الدنيا والآخرة عنهم، ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾.

التفسير الكبير · الصفحة ٨٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٨٥٣