في صفحة 15 ج 3 قوله: لولا ذلك لأبرز، حاصله: لولا خشية الاتخاذ لأبرز
قبره، أي: لكشف قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل؛ ولكن خشية
الاتخاذ موجودة فامتنع الإبراز؛ لأن (لولا) لامتناع الشيء لوجود غيره، وهذا ما
قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل
محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة.
وأيضا فيه: ومما يستفاد منه أن قوله صلى الله عليه وسلم هذا من باب قطع
الذريعة؛ لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم.
... ... ... ... ... ... ... ... محمد صادق مهتمم
... ... ... ... ... ... ... مدرسة الدينية مظهر العلوم (سند)
ويلي هذا تأييد طائفة من العلماء للفتوى.
* * *
تصحيح صاحب المنار وتأييده للفتوى
الحمد لله ملهم الصواب. الفتوى صحيحة بدلائل الأحاديث الصحيحة
الصريحة في الصحيحين والسنن وغيرها في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن
الصلاة إليها، ولعن فاعلي ذلك من أهل الكتاب بقبور أنبيائهم وصالحيهم؛ لتحذيره
صلى الله عليه وسلم أمته أن يتبعوا سنتهم فيه، وتسميتهم شرار الخلق عند الله
تعالى، كل ذلك لا يدع أدنى شبهة أو عذر للخلاف في المنع منه وعدم جوازه،
ولعناية النبي صلى الله عليه وسلم بمنع هذه المعصية في العبادة، جعلها مما أوصى
به قبل وفاته، ففي الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: (إن من كان قبلكم كانوا
يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك)
وروى مسلم عن أبي مرثد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) .
ومن المعلوم أن ما كان يفعله أهل الكتاب من اتخاذهم القبور مساجد والصلاة
إليها وتشريفها وكسوتها هو من تعظيم أنبيائهم وصالحيهم غير المشروع في دين الله
الذي جاء به رسله؛ لأنه تعظيم عبادة أخذوه عن الوثنيين، ولذلك لعنهم النبي صلى
الله عليه وسلم، ولعن الذين يضعون السرج على القبور، وأمر بتسوية ما يبنى
ويشرف منها، مقترنا بأمره بطمس التماثيل لأنهما من أعمال الشرك، ولا فرق
بين تعظيم هذه القبور نفسها وتعظيم الستورالتي توضع عليها والقباب والمقاصير
التي تبنى فوقها وحولها، وصورة السؤال الذي أجاب عنه مولانا الشيخ محمد
صادق ناظر مدرسة مظهر العلوم الظاهرة في أن المصلين هنالك يتوجهون إلى
قباب مفتوحة فيها قبور ظاهرة يعظمها الجاهلون تعظيما دينيا من النوع الذي لعن
النبي صلى الله عليه وسلم فاعليه، ونهى عنه لسد ذريعة الاقتداء بأهله والتحذير منه،
وقد وقع ما ورد النهي لمنع وقوعه، فصار التوجه إلى تلك القباب وما فيها
عبادة فاسدة لا ذريعة لها، فالصلاة إلى هذه الحواجز كالصلاة إلى القبر نفسه،
كما قال المفتي، كله عبادة وثنية باطلة يجب منع جهلة المسلمين منها بالفعل
والقول، وإعلامهم أنها من بدع أهل الشرك التي فتن بها أهل الكتاب فهي ليست
من شرعهم الذي نسخه شرعنا بل عدوى وثنية.
ولكن المسلمين اتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذارع، كما أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد وبنوا عليها
القباب وأوقدوا عليها السرج وصاروا يصلون إليها ويطوفون بها كالكعبة، ووجد
من علماء التقليد فيهم من يبيح لهم هذه البدع، كما أباحها أمثالهم لأهل الكتاب
بشبهة التفرقة بين العبادة للقبور والتبرك بها، وهل هذا التبرك غير المشروع إلا
عمل يتقرب به إلى الله تعالى بما لم يشرعه؟ وهل للعبادة معنى إلا هذا؟ وهل
كانت آلهة قوم نوح إلا رجالا صالحين عظموهم بعد موتهم وصوروهم للتذكير
والاقتداء بهم، حتى انتهى بهم ذلك إلى عبادتهم بالدعاء وغيره، كما رواه البخاري