تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليكون مثلا صالحا وأسوة حسنة للمؤمنين، وحجة على الملاحدة والمارقين

والفاسقين، الذين يجهلون أن سعادة الحياة المنزلية (العائلية) من زوجية وأمومة

وأبوة وأولاد لا تأوي إلا إلى بيوت المعتصمين بهداية الدين القويم، فإليها تأوي

وفيها تثوي وتقيم، ولئن طاف منها طائف ببيت من بيوت الملاحدة والفاسقين أو

زارته؛ فإنما تلم به إلماما، ولا تلبث أن تهجره عند حدوث الحوادث الشهوانية،

وانتياب الكوارث البشرية، فآداب الإسلام أرقى من آداب الإفرنج وأضمن للسعادة،

وإن جهل ذلك المتفرنجون.

أيقنا موت الوالدة التي كنا نتبرك بوجودها، ونهتدي بإرشادها، ونستنزل

رحمة الله ومثوبته ببرنا لها ودعائها لنا، ففاضت الأعين دموعا، ورددت الصدور

زفيرا ونشيجا، وكررت الألسنة حوقلة واسترجاعا، واضطربت الأفئدة خفقانا

ووجيبا، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، ولا

نعمل إلا بما شرعه لنا.

لم نعلن نعيها في الجرائد ولا رقاع البريد ولا أسلاك التليفون؛ وإنما أعلمنا

حفيدها السيد محيي الدين رضا بالخبر لبعد داره عن دار المنار، وجهزناها على

ملة الإسلام، وسنة رسول الله عليه أفضل السلام، وصليت عليها في رحبة الدار

مع من حضر، وشيعناها إلى مقبرة جديدة في زين العابدين، فوارينا شمسها عندما

توارت شمس الدنيا بالحجاب، تغمدها الله بالرحمة والرضوان.

لم نعقد لها مأتما، ولم نغير شيئا من عاداتنا حدادا عليها، وقد وصل الخبر

إلى بعض جرائد الصباح التي تطبع ليلا فنشرته، ثم نشرته بعض جرائد المساء

في اليوم التالي، فأقبل كثير من أصدقائنا المقيمين في القاهرة لتعزيتنا في الدار

نهارا وليلا، وأرسل كثيرون منهم برقيات التعزية ورسائلها من الإسكندرية وغيرها

من مدن القطر المصري ومصطافه، وكان في مقدمة المعزين بأنفسهم وببرقياتهم

إخواننا العلماء، وأخص بالذكر منهم أصحاب الفضيلة شيخ الأزهر الحالي الأستاذ

الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، وشيخه السابق الأستاذ محمد مصطفى المراغي،

ومفتي الديار المصرية الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم، وبعض رؤساء الكليات

والمدرسين في الأزهر، وبعض الوزراء وأولهم صاحب الدولة رئيسهم إسماعيل

صدقي باشا، والزعماء وكبار رجال الأحزاب وفي طليعتهم صاحب الدولة مصطفى

باشا النحاس رئيس الوفد المصري، ومحمد فتح الله باشا أحد كبراء الوفد ووزراء

حكومته السابقة، وحسن باشا عبد الرزاق وإخوته من أركان الحزب الدستوري، ثم

جاءتنا كتب التعزية من أصدقائنا المحبين المنبثين في الأقطار حتى لندن وباريس

وروما وسورية والحجاز، فنشكر لكل معز من قريب وبعيد فضله ولطفه، وندعو الله

أن يلطف بنا وبهم، ويقينا وإياهم السوء، ويجعلنا من الصابرين على بلائه،

الراضين بقضائه، الشاكرين لنعمائه.

كانت الوالدة - أحسن الله تعالى إليها - من أسلم النساء فطرة، وأزكاها نفسا،

وأطيبهن قلبا، كانت خير الأزواج لزوجها، وخير الأمهات لأولادها، وكان حظي

من حبها وعطفها أكبر من حظوظ إخوتي وأخواتي؛ ولكن فيما لم يحرك غيرة أحد

منهم ولا سخطه، حتى كان والدي رحمه الله تعالى يلقبني (حبيب أمه) ولا أذكر

أنني عصيت لها أمرا في صغري ولا كبري.

أذكر أنني رأيت أترابي من الأطفال مرة قد خرجوا في سماء (مطر) حفاة

يمشون في الوحل رافعي أثوابهم إلى ركبهم، فاشتهيت أن أقلدهم وأنا ابن بضع

سنين، فجئت الدار فاستأذنتها في أن أخرج حافيا وألحق بهم، فلم تأذن لي، فوقفت

في عتبة الدار حافيا ومددت إحدى رجلي إلى خارجها وقلت لها أحطها، قالت: لا

تحطها، قلت: أحطها، قالت: لا تحطها، فكررت ذلك مرارا، فلما لم تأذن لي

رجعت، وما زلت أذكر هذا لها وتذكره لي فلم أنسه، وما أبرئ نفسي من نسيان

غيره.

ولا أذكر أنها ضربتني في صغري إلا مرة واحدة، تململت من سخونة ماء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٤٣