المطلب في شعب أبي طالب رضي الله عنه، تراه قد خسر أكثر رأس ماله الذي
يتجر به الإنسان في كسب العلوم والمعارف وذلك ظاهر.
لأن الزمان الذي يستفيد منه المرء ويتعلم به هو زمان الصبا والشبيبة، وبها
تكون القوة الذاكرة والحافظة في منتهى النمو والنشاط والاستعداد لتلقي العلوم
والمعارف.
وما سمعنا بمن طلب العلم عند بلوغ هذا السن - أعني تسعا وعشرين سنة -
وبرع فيه، وإن كان ثمة أحد فهو من شواذ الطبيعة، ومنكر ذلك مكابر وحائد عن
طريق الإنصاف.
خصوصا في الصدر الأول أعني زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضي الله عنهم، فقد كان الاعتماد على الحفظ والذاكرة، ولم تكن يومئذ
المعلومات تدون ليؤمن تفلتها وضياعها، فكان أعلمهم أكثرهم حفظا وأقواهم ذاكرة،
ولولا حرص التابعين على حفظ الحديث وتدوينه لما وصل إلينا من علمهم شيء.
ولقد كنت زمن شبيبتي أتعجب من كل من يقول: نسيت، فإني لم أكن لأنسى
شيئا سمعته أو قرأته، وبعد بلوغي الثلاثين انقلب الأمر وأصبحت أعجب ممن
يحفظ ولا ينسى، ولم يبق في ذاكرتي غير ما استودع بها زمن الصبا والشبيبة،
وما شكوت هذا الداء لأحد من أبناء جيلي إلا وشكا لي نفس ذلك الداء الذي أشتكيه.
ويؤيد ذلك ما روي في سيرة عمر رضي الله عنه أنه لبث في حفظ سورة
البقرة وتعلمها اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا [3] .
ولم يكن عمر رضي الله عنه يعرف بالصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
والاتصال به قبل إسلامه ليستفيد من علومه.
زمن تعلم علي عليه السلام:
لا يرتاب أحد ممن راجع أحوال الصحابة وقرأ تاريخ حياتهم في أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ضم عليا إليه وأخذه من أبيه وهو ابن أربع سنوات [4] .
وهذا هو أول الزمن الذي يتأهل الغلام فيه لتعلم مبادئ العلوم وتلقي بذور
الأخلاق الطيبة والطباع الفاضلة، ويا ما أسعد ذلك الغلام الذي يظفر بمثل ذلك
المعلم في مثل ذلك الزمان، وينقطع إليه عن أبيه وأمه وإخوته وكل أبناء جيله، ثم
لا يفارقه مدة حياته بخ بخ لهذا الغلام.
ومن يستطيع تحديد ما استفاده ووعاه قلبه وطبعت عليه نفسه من العلوم
والأخلاق؟
وقف القلم ههنا بعد نخوته معترفا بالعجز عن هذه المهمة من التحديد، فأين
ربانيو هذه الأمة والراسخون في العلم منهم عن تحديدها وبيان مقدارها؟
مل بنا نحو تلك الخلوات التي كان يكون بها مع معلمه صلى الله عليه وسلم
قبل بعثته. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته قد تيمه الوجد وأورثه
ذلك وحشة من الناس وأنسا بالخلوات والانقطاع عن هذا الخلق المتعوس المتردد
في دياميم الجهل والشقاء، النائي عن الخير والسعادة، فكان يجاور في كل سنة
بحراء ومعه هذا الغلام الشهرين والثلاثة، يريض تلك النفس الزكية ويؤهلها
لوصل ذلك الحبيب الذي هام به.
وكان علي عليه السلام يهيم بذلك الحبيب كهيام معلمه، ويشاركه في خلواته
به وأنسه بقربه وتلقي فيوضاته وألطافه لا ثالث لهما.
فأين الأصحاب رضي الله عنهم عن تلك المراتب السامية من هذه المكاشفات
والمشاهدات لخالقهما التي كانت تتجلى في قلبيهما وتتلألأ على (طور سينا نفسيهما)
ولا نعجب بعدها من أمر هذا الغلام كيف فارق أهله وإخوته وأترابه وانقطع إلى
معلمه ولم تمل به الحداثة إلى الأخذ بنصيبه من اللعب واللهو وهو منتهى لذة
الأحداث وقصارى رغبتهم.
فلقد ملئ قلبه بحب خالقه ولم يبق فيه فراغ لسواه، فسبحان واهب العطاء
يختص بكرامته من يشاء، أتظن رعاك الله أن ساعة من الزمن كانت تمر على هذا
التلميذ بغير فائدة من ذلك المعلم الحريص [5] على التعليم.
فلو ادعى مدع كهذا التلميذ بعد وفاة معلمه أنه وارث علمه، أتكون دعوى غلو
ومجازفة أم دعوى حق وإنصاف؟
وقد تبين مما ذكرنا أن عليا عليه السلام تعلم العلم من رسول الله صلى الله
عليه وسلم زمن الصبا والشبيبة بخلاف عمر رضي الله عنه، وأن عمر ابتدأ بالتعلم