تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بعد أن سبقه وتعلم قبله بخمس عشرة

سنة على أقل ما روي من عمره يوم بعثته وهو عشر سنين، وأما على ما روي من

أن عمره يوم البعثة كان خمس عشرة سنة فيكون قد سبقه بعشرين سنة، فما يقال

لهذا التلميذ الذي دخل المدرسة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسع وعشرين سنة، ولم

يكن [6] معروفا بحدة الذهن وتوقد القريحة، ثم صحب تلميذا شابا قد تعلم قبله

بخمس عشرة سنة وداما يتعلمان مدة حياة معلمهما، فهل يجوز في أحكام العقول

عند أهل الفضل والإنصاف أن يلحق الكهل بذلك الشاب ويفوقه بالعلم والمعرفة،

خصوصا إذا كان الشاب أقوى فطنة وأكثر ملازمة وانقطاعا إلى المعلم؟ كلا

ثم كلا.

وهذا لعمري من البديهيات الأولية. واعلم - رعاك الله أيها الأخ المنصف -

أننا هنا لا نعتمد في تفضيل علي عليه السلام على كافة الصحابة رضي الله عنهم إلا

على أمثال هذه البراهين القاطعة والأمور المحسوسة، التي سجلها التاريخ وأوضحها

البحث والتنقيب والتدبر، أما الأحاديث التي وردت في فضله عليه السلام فإنما تذكر

تأييدا واستظهارا قبالة الخصم، وهذه طريقتنا في الأصحاب رضوان الله عليهم، لا

نعتمد في فضلهم وصلاحهم على ما روي فيهم حتى نرى ما دون لهم في التاريخ من

الأعمال، فإن كان ثمة عمل يؤيد ما روي فيهم آمنا وصدقنا، وإلا اتهمنا الراوي ولم

نؤمن بحديثه.

ولسنا بحمد الله ممن يبخس الناس أشياءهم، بل نعطي كل ذي حق حقه،

وننعت المرء بما هو فيه، إن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وجهة كان يؤمها،

وغاية كان يسعى إليها هي من أشرف الغايات وأعلى المقاصد.

ألا وهي إعزاز الإسلام وإظهار أبهته وعظمته وتفخيم سلطانه، فمن ذلك يوم

أسلم قال: (لا يعبد الله بعد اليوم سرا) فكان المسلمون بعدها يصلون ظاهرين.

ومنها أنه أشار بأن يتخذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا يمتاز به عن

أصحابه ليعرفه الغريب والوافد، ولا يحتاج إلى أن يسأل عنه؛ فإن في السؤال عن

العظيم ما لا يخفى.

ومنها أنه أشار بأن تحجب نساؤه صلى الله عليه وسلم ليكون لها الميزة عن

سائر النساء، ولقد قال لبعض نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأى

شخصها في ملأ من الناس: (لو أطعت فيكن ما رأتكن عين) .

ومنها أنه أشار بقتل الأسرى يوم بدر حتى لا تقوم لقريش بعدها قائمة؛ فإن

الأسرى كانوا هم الرؤساء والقادة، وكان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن

يأذن له بقتل كل من يداهن في دين الله، وكان شديد الحرص على قتل أبي سفيان

لما رآه من شدة كيده للإسلام، وكان يوم الحديبية شديد الإنكار للصلح قال: يا

رسول الله، ألسنا بالمؤمنين؟ فقال: نعم، فقال: أليسوا بالمشركين؟ فقال: نعم

فقال: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ حتى سكن أبو بكر من هيجانه فقال له: (والله

إنه لرسول الله) فقال عمر: وأنا أعلم والله أنه لرسول الله، فقال له: إذن فالزم

غرزه.

وهذه الأعمال ما نشأت إلا عن نية صالحة، وحرص شديد على إعزاز

الإسلام وتشييد سلطانه، ولو أردنا ذكر الأعمال التي قام بها أيام خلافة أبي بكر

رضي الله عنه وأيام خلافته التي أعزت الإسلام وأرست قواعده ونشرت على

البسيطة أعلامه، وطبقتها بسلطانه - لضاقت عنها بطون الصحف واستغرقت زمنا

طويلا، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا.

النبطية (سوريا) ... ... صاحب الكلمات ... ... ... ...

... ... ... ... ... ... عبد الحسين نور الدين الحسيني

(المنار)

يؤخذ من هذه الرسالة الفصيحة الصريحة المجردة من لباس الرياء والتقية

أن كاتبها يعتقد ما يأتي:

1- أن توحيد كلمة المسلمين واتفاقهم على الدفاع عن دينهم المشترك وعن

أنفسهم، وعلى حقوقهم السياسية والوطنية وغيرها - يتوقف على زوال الخلاف

المذهبي بين أهل السنة والشيعة، برجوع أحدهما إلى مذهب الآخر الذي هو سبيل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٩