وإن امتاز النبي صلى الله عليه وسلم عندهم بأمور كثيرة، ويرون أن الخليفة بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي أمير المؤمنين عليه السلام فهو أفضل أهل
زمانه.
رأي السنة في الخلافة:
إن المسلمين من السنة لا يرون الخليفة بهذه العظمة، فهي عندهم فرع من
فروع الدين، فيجب على المسلمين أن يختاروا من بينهم خليفة ولا يشترطون
امتيازه عن غيره في الفضل والصلاح، ولعل أكثرهم لا يشترط فيه الصلاح
والعدالة.
فإذا عرفت ذلك ظهر لك أن الشيعة حين ينكرون أن يكون أحد من الصحابة
أفضل من علي عليه السلام أو مساويا له إنما هو لمنافاته لأصل الدين وقاعدة
المذهب عندهم، وقد فرغوا من إثباته بالحجج القاطعة والبراهين العقلية والنقلية،
وألفوا في ذلك الكتب المطولة، فمن يجهل رأيهم في الخلافة ولم يطالع ما كتبوه في
ذلك مع وفوره وقرب مناله، يظن أن ذلك منهم غلو في علي وانحراف عن غيره،
وليس كذلك.
إن العالم الشيعي ينظر إلى التفاضل بين علي عليه السلام وعمر رضي الله
عنه كأهم مسألة دينية، والعالم السني ينظر إلى التفاضل بينهما كمسألة تاريخية،
وحيث كان البحث في التفاضل من الوجهة الدينية يحتاج إلى البحث في أصل
الإمامة وهي مسألة ضافية الذيل، فسيحة الأرجاء لا تسعها هذه العجالة - فلنبحث
الآن عنها من الوجهة التاريخية، ونعرض ما عندنا في ذلك على أهل الفضل
والإنصاف.
إنني وأيم الحق لم يكن يختلج في صدري أن أحدا من أهل الفضل يقدم أحدا
من الصحابة على علي عليه السلام في العلم أو يساويه فيه، وكنت أرى أن هاتين
الصفتين - أعني الشجاعة والعلم - قد كملتا فيه وامتاز بهما عند أوليائه وأعدائه، وأن
صفة العلم فيه أظهر من صفة الشجاعة لسبقه فيها سبقا بعيدا.
هذا كتابه قرآن العارفين وفرقان السالكين تتجلى آياته وتتلألأ أسراره، وما
أخال حضرة الأستاذ يرتاب فيه كغيره بعدما أورده أستاذه - ذلك الحبر الكبير النمير -
العذب من مشاربه، وأوقفه على تلك الإلهيات عن عجائبه.
إننا لعمر الحق أبعد المسلمين عن العصبية وأقربهم للاتفاق، وأحبهم
للإنصاف، وما الحيلة في ترك ولاء هذا الرجل - أعني أمير المؤمنين عليا - وقد
تجلى لنا تقدمه في الفضل على كافة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبقه
لهم فيه سبقا بعيدا، وإننا لنعجب لبعض العلماء من إخواننا السنيين كيف لا
ينصفوننا في علي عليه السلام ولا يرون رأينا فيه، وما لنا لا نعجب، وإنما هذا
الفضل له أخذناه منهم، ورويناه عنهم.
فمن عدم إنصافهم ما ذكره هذا البعض من أن عمر أعلم الصحابة ومنهم علي
عليه السلام، وهنا موقف الحيرة، فإن سكتنا كان ذلك إقرارا منا بالخطأ وفساد
المذهب، وإن أوضحنا الحق في المسألة ونصرنا رأينا قامت القيامة علينا ورمينا
بالرفض والغلو والتعصب على أكابر الصحابة.
لكننا نؤثر إحقاق الحق ونحتمل في سبيله كل مكروه، ولعلنا لا نعدم من أهل
الفضل والإنصاف أنصارا ومحكمين.
اعلم أيها الأخ المنصف أن لنا على تفضيل علي على عمر رضي الله عنه
وعلى كافة الصحابة رضي الله عنهم براهين قاطعة من طريق العقل ومن طريق
الرواية. أما من طريق العقل فيحتاج ذلك إلى معرفة الزمان الذي تلقيا فيه ذانك
التلميذان العظيمان - أعني عليا عليه السلام وعمر رضي الله عنه - العلم عن
معلمهما أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقداره، ومنزلة كل واحد منهما من
الفطنة والذكاء، وعندها تصدر الحكم غير مرتاب:
زمن إسلام عمر رضي الله عنه:
أسلم عمر رضي الله عنه في السنة السادسة من بعثته صلى الله عليه وسلم
وعمره ست وعشرون سنة، فعليه يكون قد قطع مرحلة من عمره في غير طلب
العلم لا يستهان بها، فإذا أضفت إليها ثلاث سنوات لم يلق عمر فيها رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا نادرا، وذلك عند حصار قريش لبني هاشم وبني عبد