تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وثانيا) بأنهم قالوا: إن اختلاف العلماء رحمة للأمة، فلماذا نضيق باب هذه

الرحمة عليها بحصر الاستفادة بواحد تحرم الاستفادة من غيره بتسميته تلفيقا،

ونخالف السلف الصالح الذين كان عوامهم يستفتون كل عالم يوثق بعلمه.

مثال ذلك أن الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى كانا شديدي الورع، وكانت

حضارة الإسلام قد اتسعت في زمانهما، ولا سيما في بغداد ومصر مصدر علمهما،

فكان لهذين الأمرين تأثير عظيم في اجتهادهما في مسائل الطهارة والنجاسة، على

سعة علمهما بالسنة وبما كان عليه الصحابة في عصر التشريع من الضيق وقلة الماء،

حتى إن مقلديهما يكثر فيهم الحرج والوسواس في الطهارة، فلماذا تحجر على

الأمة أن تطلع على فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال بعض العلماء في

استحضاره لنصوص الكتاب والسنة عند بحثه في كل مسألة: كأنها قد كتبت في

كفه؟ وأن تأخذ بما أثبته بعد بيان أدلة المذاهب الأربعة وغيرها من طهارة كل ماء

ومائع لم يتغير بالنجاسة التي تصيبه وهو قول طائفة من كبار علماء الصحابة

والتابعين وعلماء الأمصار المجتهدين كابن مسعود وابن عباس والزهري وأبي

ثور والظاهرية، وهو يميل إلى مذهب الإمام مالك في مسائل النجاسات ككثير من

محققي المذاهب الأخرى ومنهم الغزالي من الشافعية، ومالك لم يأخذ علمه في أمثال

هذه المسائل العملية من الاستنباطات اللفظية فقط، بل كان مرشده فيها عمل أهل

المدينة من التابعين الذين تلقوا عن الصحابة رضي الله عنهم، وما من مجتهد إلا

وقد انفرد بمسائل ردها عليه غيره، وما زال العلماء المنصفون يعذر بعضهم بعضا

في المسائل الخلافية التي لم يجمع عليها أهل الصدر الأول، وأولى الجميع بأن

يرجح كلامه من لا يقول إلا بدليل، ولا يكلف أحدا أن يعمل إلا بما يظهر له صحة

دليله كأصحاب الكتب المسئول عنها، والله قد أرشدنا إلى اتباع الأحسن، وهو لا

يعلم إلا بالنظر في الأدلة.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الجامعتان الإسلامية والشرقية

دعوة السيد الأفغاني إليهما، تأثير دعوته بعد جيل كامل في الشعوب

الأعجمية، جمود جزيرة العرب واضطراب العراق وسورية، الإنكليز مثيرو الفتنة

وعليهم تقع تبعتها.

كانت فكرة الجامعة الإسلامية خيالا لاح في أذهان بعض رجال السياسة في

أوروبا فطفقوا يبحثون فيه، ويصورون لأقوامهم قوادمه وخوافيه، حتى صار

الكثيرون منهم يحسبون أنه حق لا ريب فيه.

أثار هذا الخيال في تلك الأدمغة كثرة التفكر في تاريخ الشعوب الإسلامية التي

أسرعت أوروبا في ثل عروشها، واستعباد أمرائها وملوكها، والتمتع بخيرات

بلادها، فإن المطلع على ذلك التاريخ الفياض بما كان لها من العزة والبأس في

الحرب، والعلم والحكمة وإقامة العدل جدير بأن يحسب لانتقاضها على المستذلين

لها ألف حساب، وإن استحوذ عليها الجهل، وحرقت نسيج وحدتها العداوات

الجنسية والمذهبية، فصار بأسها بينها شديدا، وقيادها للأجانب لينا سلسا، ولئن

نبهت مباحث أولئك السياسيين بعض الأذكياء إلى هذا الأمر العظيم، فلم يكن في

استطاعتها أن تحفز همة أحد من أمرائهم ولا من كبراء الهمم والعقول فيهم إلى

السعي له والدعوة إليه، ولئن وجد أفراد - منهم السلطان عبد الحميد - أحبوا أن

يستفيدوا من حذر الأوروبيين منه بإيهامهم إياهم أنهم يعدون له عدته، ويتخذون له

أهبته، فقد كان من تأثير هذا الإيهام مبادرة أولئك الحازمين إلى قطع طرقه،

والإسراع بالقضاء على ما بقي لتلك الشعوب من ماء الاستقلال ورمقه.

إي وربي ‍‍! إن الشعوب الإسلامية لم تنجب من بعد الحروب الصليبية رجلا

عظيما عالي الهمة، يسعى إلى جمع كلمة المسلمين وتوحيد قواهم المتفرقة، لدفع

عوادي الذل والاستعباد عنهم، لا بدعوة علمية اجتماعية، ولا بتأليف قوة عسكرية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٩