تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عصرية، إلا (السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني) حكيم الشرق، وحافزه

لتحرير نفسه من الرق، فهو الذي اهتدى بذكائه ونظره البعيد وفكره الوقاد إلى

تدارك الإسلام وإنقاذ الشرق من الاستعباد، بالسعي إلى هذا الاتحاد، فطاف

لأجله البلاد، ونادى به على رءوس الأشهاد؛ فلم تكن دعوته في عصره صرخة في

واد، أو نفخة في رماد، بل كان في خلل الرماد وميض نار طار شرارها كل مطار،

حتى عم بعده الأقطار.

ألقى بذور دعوته الأولى بمصر وكانت عنايته فيها موجهة إلى إحياء الشعب

المصري لتكون مصر مركز الدعوة العامة، وتكون دولة وادي النيل هي الدولة

القوية التي تعتز بها الأمة، وتكون النواة لتنفيذ مذهبه السياسي في إعزاز الإسلام

وتقليص ظل الدولة البريطانية عن رءوس المسلين.

وبعد أن نفي بتأثير الدسائس الإنكليزية من مصر، ومن أجل بث الدعوة ألف

جمعية العروة الوثقى، وأنشأ جريدتها في باريس للدعوة العامة إلى الوحدة تحت لواء

الخلافة الإسلامية، وكان جل سعيه وعمله فيما وراء الغاية العامة الدفاع عن مسألة

مصر عقب الاحتلال، وقد عني عناية خاصة بجمع الكلمة والتأليف بين الشعبين

المتجاورين اللذين نشأ هو وكثير من آبائه وأجداده في بلادهما، أعني الشعب الأفغاني

والشعب الإيراني، وقد بينت جريدة العروة الوثقى التي كانت تتجلى بها آراؤه بقلم

مريده وصديقه شيخنا الأستاذ الإمام (رحمهما الله تعالى) الغاية، وأشرعت السبيل

وبينت الوسائل، وأرشدت إلى إزالة الموانع، وكان من رأيه أن تكون مكة المكرمة

هي مركز الدعوة.

كان لهذه الدعوة تأثير عظيم في العالم الإسلامي حتى كان العقلاء وأهل الرأي

من قرائها في الأقطار المختلفة يعتقدون أنها لا تلبث أن تحدث انقلابا عظيما في

الشرق. سمعنا هذا من شيخنا الشيخ حسين الجسر الشهير في طرابلس، ورواه لنا

محمد علي بك المؤيد عن الزعيم الكبير السيد سلمان الكيلاني نقيب بغداد في ذلك

العهد، بيد أن مصادرة الدولة البريطانية للجريدة، ومنعها من مصر والهند

وغيرهما من أقطار المشرق كانت سببا لترك الاستمرار على إصدارها، فكان كل ما

صدر منها 18 عددا، ولكنه لم يترك الدعوة والسعي إلى الغاية، بل بثها في البلاد

الفارسية ثم في القسطنطينية، ثم قضى السيد وما قضى منها وطرا، ولم يقم بعده

أحد بالدعوة والسعي لها بمثل تلك القوة، بل ضعفت الرابطة الإسلامية، بما

تغلب عليها من العصبية الجنسية، ولا سيما في الشعوب الأعجمية، بيد أن القوي

في الضار قد يكون قويا في النافع، فهذه الشعوب التي كانت في غاية التعادي

الجنسي، وكانت قبل ذلك فيما هو أشد منه من التعادي المذهبي: هذا سني وهذا

شيعي - ثابت الآن إلى رشدها، وعلمت كل منها أن الوحدة هي التي تحفظ جنسها

ودينها ومذهبها، فمد كل منها يده إلى الآخر يصافحه مصافحة الأخ لأخيه،

ويعاهده معاهدة الولي لوليه.

تعاقد الترك والفرس والأفغان، وشدوا معاقد حلفهم ببخارى وخيوة وأذريبجان،

وبنوا دعاية الولاية والبراءة في سائر الشعوب الإسلامية في الشرق، يؤيدها بالمال

والرجال مسلمو الهند، بل شدوا أواخي الجامعة الشرقية بوثنيي الهند ونصارى

الروسية البلشفية التي سخرها الله لجهاد تأليه الثروة والعظمة الأوروبية،

والغرض العام لهذه الأمم كلها تحرير الشرق من رق الجزيرة البريطانية، التي

طمحت باستعبادها له إلى منازعة الربوبية، وما يتلو ذلك من تحرير سائر الشعوب

المستضعفة.

كل هذا والشعب العربي الذي ضعفت رابطته الجنسية بتعاليم الإسلام،

ووحدته الدينية باختلاف المذاهب وتنازع الحكام مصر على تفرقه غافل عما يراد

به، حتى في مهد الإسلام من جزيرته، وقد رأى سوء عاقبة ذلك في سلب الأجانب

لاستقلال أخصب بلاده، ومحاولة إنشاب براثنه في باقيها، والإحاطة بها من

أطرافها، وهو مع ذلك في غمة من أمره لا يدري كيف يخرج منها، وإنما الذنب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٠