تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهمة تقعد بهم عن التسامي إلى مثل هذا المثل الأعلى في الكمال الديني

والاجتماعي. وحمل البلاد الإسلامية ذات الحكومات المستقلة على الخضوع لرئيس

واحد بالقوة العسكرية مما لا سبيل إليه في هذا الزمان، ولا سبيل أيضا إلى إقناع

حكومات هذه البلاد باتباع واحد منهم بالرضا والاختيار.

والحكومات المستقلة الآن هي حكومات الترك والفرس والأفغان ونجد واليمن

العليا - وهي النجود وما يتبعها - واليمن السفلى والحجاز، وقد استقلت بعض

الأقطار الإسلامية التي كانت تابعة لروسية القياصرة كبخارى وخيوة، ولكن استقلالها

لم يستقر بعد، على أنه قد اعترف به في المعاهدة التركية الأفغانية، ومثلهما أذريبجان

ودونهما كردستان، وهذه الحكومات الصغيرة تجزم الدولة التركية بأنها ستسودهن

وتدغهن في جامعتها الطورانية. وكذا سائر شعوب القوقاس الإسلامية، ولا توجد

حكومة منهم يمكن أن تدعي الخلافة الدينية، فبقي الكلام في الحكومات العربية،

والدول الثلاث الأعجمية.

فأما أهل اليمن العليا فيعتقدون أن الإمامة الشرعية الصحيحة محصورة فيهم

منذ ألف سنة ونيف لأن أئمتهم ينتخبون انتخابا شرعيا تراعى فيه جميع الشروط

الشرعية التي يشترطها أهل السنة مع زيادة مراعاة مذهبهم الزيدي، وأن هذه

الزيادة لا تعارض مذهب أهل السنة، وأنهم يحكمون بالشرع ويقيمون الحدود.

ومذهبهم في الفروع قلما يخالف مذاهب السنة الأربعة، ولا سيما مذهب

الحنفية، فلا مطمع في إقناعهم باتباع غيرهم، وقد قاتلهم الترك عدة قرون ولم

يستطيعوا إزالة إمامتهم، ولكن جيرانهم من العرب وسائر المسلمين لا يعتدون

بإماماتهم، وهم لا يدعون إليها ولا يستعدون لتعميمها، وقد اعترف بصحتها إمام

حفاظ السنة، وقاضي قضاة مصر وشيخ مشايخ الإسلام في أزهرها لعهده: الحافظ

أحمد بن حجر العسقلاني في شرحه لحديث: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي

اثنان) من صحيح البخاري.

وأما السيد الإدريسي فهو على كونه حاكما مستقلا. وسيدا علويا وفقيها

أزهريا، ومرشدا صوفيا، لم يدع منصب الخلافة فيما نعلم، ولم يدع رؤساء

إمارته إلى مبايعته بها، ولكن أهل بيته وجماعته يعتقدون أنه أحق بها من شرفاء

الحجاز، ويلقبونه بالسيد الإمام، ولقبه بعضهم بصاحب الجلالة الهاشمية، وقد نقل

لنا الثقات أن الملك حسينا اجتهد في استمالته للاعتراف بالتبعية للحجاز في السياسة

الخارجية أو بالاسم فقط - فلم يفلح كما أنه لم يفلح سعيه لدى الإمام يحيى كذلك،

وقد استغرب كل منهما هذا السعي. وبلغنا أن السيد الإدريسي كان يفضل

الاعتراف بسيادة الترك السياسية على بلاده في الأمور الخارجية هربا من دسائس

الإفرنج وتقوية للروابط الإسلامية. وأما حكومة الحجاز فهي جديدة ولا يعرف لها

نظام ثابت، وإنما ملك الحجاز هو هنالك الحكومة وكل شيء، وقد بايعه أهل

مكة على أنه ملك العرب ثم بايعه آخرون من سورية وغيرها بالخلافة وإمارة

المؤمنين على عهد وجود ولده فيصل فيها قبل إعلان استقلال دمشق، وذلك كما

يبايع أمثالهم في سورية ومصر الخليفة في الآستانة، ويظهر أن ولده فيصل ملك

العراق وولده عبد الله أمير شرق الأردن مصران على بذل نفوذهما لجعله هو

الخليفة، وأخذ المبايعة له من سورية والعراق عند سنوح الفرصة، وقد نشر في

جريدة القبلة مقالات قديمة وحديثة في بطلان خلافة خلفاء الترك في الآستانة

وتكفيرهم وتكفير حكومتهم. وقد كان في عمان مسجد متداع فأمر الأمير عبد الله

بتجديد بنائه فوضع له قاضيه الشيخ سعيد الكرمي تاريخا في أبيات من الشعر

نقشت على لوح من الرخام وضع فوق بابه، قال في أولها:

حسين بن عون من بنى مجد عدنان ... فصار أمير المؤمنين بلا ثاني

أعاد له حق الخلافة بعد ما ... ثوت زمنا بالغصب في آل عثمان

وقد جعل هذا القاضي بناء حسين لما سماه مجد عدنان سببا لصيرورته أمير

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٥