تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنعقد إمامتهما؛ لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم

فجوزوه) اه. وأقول: إنما جوزه من جوزه في حال تعذر الوحدة، وهذا هو

الخلاف الذي نقله العضد في المواقف، إذ قال: (ولا يجوز العقد لإمامين في صقع

متضايق الأقطار، أما في متسعها بحيث لا يسع الواحد تدبيره فهو محل الاجتهاد)

قال شارحه السيد الجرجاني: لوقوع الخلاف.

واعتمد الجواز محشيه الفناري وهو من أشهر علماء الروم أو الترك. وأما

في حال إمكان الوحدة فلا نعلم أن أحدا من العلماء الذين لعلمهم قيمة قال بجواز

التعدد، وقول من قال بالتعدد للضرورة أقوى من قول الجمهور بإمامة المتغلب

للضرورة، إذا كان كل من الإمامين أو الأئمة مستجمعا للشروط مقيما للعدل، فإن

كان في هذه تفرق فهو في غير عدوان ولا عداوة، وفي تلك بغي وجور ربما يفسد

الدين والدنيا معا، بل أفسدهما بالفعل.

وقد بسط ترجيح هذا القول السيد صديق خان بهادر في آخر كتابه الروضة

الندية [7] قال:

(وإذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه مربوطة به

كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم - فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد

ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة. وأما إذا بايع كل واحد منهما

جماعة في وقت واحد، فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على أهل الحل

والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما. فإن استمرا على

التخالف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا

تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك) .

(وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار

في كل قطر من أقطار [8] الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار

كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير قطره أو أقطاره التي رجعت إلى

ولايته فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة

على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا

قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل

إذا لم يتب [9] ولا يجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته

لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها ولا يدرى

من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق، وهذا

معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فإن أهل الصين والهند لا

يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا

العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن، وهكذا

العكس. فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة،

ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في

أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر ذلك فهو مباهت

لا يستحق أن يخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها، والله المستعان) اه.

هذا أوجه تفصيل قيل في جواز التعدد للضرورة، وهو اجتهاد وجيه،

ويشبهه عند بعض الأئمة تعدد الجمعة في البلد الواحد، فالأصل في الشرع أن

يجتمع أهل البلد كلهم في مسجد واحد؛ لأن للشارع حكمة جلية في الاجتماع، فإن

تعددت فالجمعة للسابق، والمتأخر لا يعتد بجمعته، فمتى علم أنها أقيمت في مسجد لم

يجز أن تقام ثانية فيه ولا في غيره من ذلك البلد، ومن أقامها كانت صلاتهم باطلة

وكانوا آثمين ولا تسقط عنهم صلاة الظهر، وجوز التعدد للضرورة بقدرها أشد

المانعين حظرا له في حال الاختيار.

وظاهر كلام الجمهور الذين أطلقوا منع تعدد الإمام الحق، أن المسلمين الذين

لا يستطيعون اتباع جماعة المسلمين في دار العدل لبعد الشقة وتعذر المواصلة،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٣