بأسماء هؤلاء ولم يأمرهم بالخروج عليهم، مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم،
لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف
المفسدتين، وأيسر الأمرين اه.
ونقول: ما ذكر من القاعدة صواب، وما قبله من تطبيق النازلة عليها لا
يصح، فقد قاوم أهل الحجاز فغلبوا على أمرهم، والصواب ما بيناه من قبل من تفرق
جماعة الإسلام العالمة العادلة في الممالك، وكون من بقي منهم بالحجاز ضعفاء بالنسبة
إلى المملكة الإسلامية الجديدة، فلم يكن أمر الخروج ممكنا إلا بعصبية كعصبيتهم كما
فعل بنو العباس، وقد مهد أكثر العلماء السبيل للاستبداد والظلم بمثل هذا الإطلاق في
الخضوع لأهلهما، وقد تكرر بيان التحقيق فيه.
ثم قال الحافظ: يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر أنهم
من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة لعلهم يتعظون.
وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطبراني وغيره
غالبها فيه مقال وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك
اه. وقوله: (من ولده) يصدق على الأكثر وإلا فإن يزيد بن معاوية أول من
كان يعني أبو هريرة بالغلمة والصبيان.
وجملة القول: أن مرادنا من هذا البحث بيان مفسدة إخراج الخلافة الإسلامية
عما وضعها عليه الإسلام، وجعلها تابعة لقوة العصبية والتغلب، فهذه المفسدة هي
أصل المفاسد والرزايا التي أصابت المسلمين في دينهم ودنياهم. وقد كررنا ذكرها
لتحفظ ولا تنسى.
ومن أغرب الغرائب أن قصر المسلمون عن غيرهم من أهل الملل التي كانوا
قد فاقوها في العلم والعمل، بأن لم يقم أحد منهم بعمل منظم لإعادة حكم الإسلام كما
بدأ، بل رضوا بالتفرق والانقسام والظلم والاستذلال من كل من تولى الأمر في
قطر من أقطارهم، حتى سهل عليهم مثل ذلك من غيرهم، فكانوا كما قلنا في
المقصورة:
من ساسه الظلم بسوط بأسه ... هان عليه الذل من حيث أتى
ومن يهن هان عليه قومه ... وماله ودينه الذي ارتضى
أفلم يأتهم نبأ ما فعل البابوات من تنظيم الجمعيات وجمع القناطير من الدنانير
لأجل إعادة سلطانهم الديني؟ ألا إننا قلدنا غيرنا فيما يضر، ولم نقلد ولا استقللنا فيما
ينفع في هذا الأمر، ولا يزال فينا من يجد في نبذ ما بقي من قشور سلطان الخلافة
الإسلامية بعد ذهاب لبابها، ويظنون أن وجودها هو الذي أضعف ملكنا وإنما أضعفه
ذهابها. فإن ما لا نزال ندعيه منها للمستبدين كذب على الإسلام، ولو استمسكنا
بعروتها الوثقى لكنا سادة العالمين، وقد عرف هذا كثير من علماء الأجانب ولم يعرفه
أحد من زعمائنا السياسيين.
***
15- وحدة الخليفة وتعدده:
أصل الشرع أن يكون رئيس الحكومة - وهو الإمام - واحدا، وهذا أمر
إجماعي
عند جميع الأمم كالمسلمين، وسببه معروف وهو أن أمر الحكومة أولى من كل أمر
عام له شعب كثيرة بأن تكون له جهة واحدة يضبط بها النظام وتتقى الفوضى. قال
الكمالان في (المسايرة) وشرحها [6] (ولا يولى) الإمامة (أكثر من واحد) لقوله
صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) رواه مسلم من
حديث أبي سعيد الخدري، والأمر بقتله محمول كما صرح به العلماء على ما إذا لم
يندفع إلا بالقتل، فإذا أصر على الخلاف كان باغيا، فإذا لم يندفع إلا بالقتل قتل،
والمعنى في امتناع تعدد الإمام أنه مناف لمقصود الإمامة من اتحاد كلمة أهل الإسلام
واندفاع الفتن، وأن التعدد يقتضي لزوم امتثال أحكم متضادة (قال الحجة - حجة
الإسلام الغزالي: فإن ولي عدد موصوف بهذه الصفات فالإمام من انعقدت له البيعة من
الأكثر، والمخالف باغ يجب رده إلى الانقياد إلى الحق وكلام غيره من أهل السنة
اعتبار السبق فقط فالثاني يجب رده) ا. ه ودليل الجمهور نص الحديث.
وقال الماوردي (في ص7) : (وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم