ثم قال:
(وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين: فإن كان مرجو الخلاص فهو على
إمامته ويكون العهد في ولي العهد ثابتا وإن لم يصر إماما، وإن لم يرج خلاصه لم
يخل حال البغاة من أحد أمرين: إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم إماما أو لم ينصبوا،
فإن كانوا فوضى لا إمام لهم فالإمام المأسور على إمامته؛ لأن بيعته لهم لازمة،
وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع أهل العدل، إذا صار تحت الحجر،
وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة، فإن
قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم. فإن خلع المأسور نفسه أو مات لم
يصر المستناب إماما لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده.
وإن كان أهل البغي قد نصبوا لأنفسهم إماما دخلوا في بيعته وانقادوا
لطاعته، فالإمام المأسور في أيديهم خارج عن الإمامة بالإياس من خلاصه؛ لأنهم
قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة فلم يبق لأهل
العدل بهم نصرة، ولا للمأمسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن
يعقدوا الإمامة لمن ارتضوه لها، فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة بخروجه
منها) (ص19، 20) .
ومن المعلوم أن كل هذا التفصيل في الإمام الحق المستجمع للشروط القائم
بالوجبات، وأما إمامة التغلب فكلها تجري على قاعدة الاضطرار المتقدمة (رقم
11) .
وما ذكره من انعزال الإمام بالفسق قد اختلف فيه، والمشهور الذي حققه
الجمهور أنه لا يجوز تولية الفاسق، ولكن طروء الفسق بعد التولية لا تبطل به
الإمامة مطلقا وبعضهم فصل: قال السعد في شرح المقاصد: وإذا ثبت الإمام بالقهر
والغلبة ثم جاء آخر فقهره انعزل وصار القاهر إماما، ولا يجوز خلع الإمام بلا
سبب، ولو خلعوه لم ينفذ وإن عزل نفسه، فإن كان يعجز عن القيام بالأمر انعزل
وإلا فلا، ولا ينعزل الإمام بالفسق والإغماء وينعزل بالجنون وبالعمى والصم
والخرس وبالمرض الذي ينسيه العلوم. (ص272 ج2) .
وقد استدل من قال يخلع بالكفر دون المعصية بحديث عبادة بن الصامت في
المبايعة عند الشيخين قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ
علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة
علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) .
وقد ذكر الحافظ في شرح قوله (إلا أن تروا كفرا بواحا) روايات أخرى
بلفظ المعصية والإثم بدل الكفر، ثم قال: وفي رواية إسماعيل بن عبد الله عند أحمد
والطبراني والحاكم من روايته عن أبي عبادة (سيلي أموركم من بعدي رجال
يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون. فلا طاعة لمن عصى الله)
وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه:
(سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك
عليكم طاعة) .
وقال في شرح قوله: (عندكم من الله فيه برهان) أي من نص آية، أو
خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم
يحتمل التأويل. قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا
تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا
تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم ا
ه وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يعترض على السلطان إلا إذا
وقع في الكفر الظاهر. والذي يظهر: حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة
في الولاية، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر. وحمل رواية
المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه
في المعصية بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل