الإمكان، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها، ولا أن تجعل كالكرة بين
المتغلبين يتقاذفونها، كما فعلت الأمم التي كانت مظلومة وراضية بالظلم لجهلها
بقوتها الكامنة فيها، وكون قوة ملوكها وأمرائها منها، ألم تر إلى من استناروا بالعلم
الاجتماعي منا كيف هبت لإسقاط حكوماتها الجائرة وملوكها المستبدين، وكان آخر
من فعل ذلك الشعب التركي، ولكنه أسقط نوعا من التغلب بنوع آخر عسى أن
يكون خيرا منه، وإنما فعله تقليدا لتلك الأمم الأبية؛ إذ كان جماهير علماء الترك
والهند ومصر وغيرها من الأقطار، يوجبون عليهم طاعة سلاطين بني عثمان، ما
داموا لا يظهرون الكفر والردة عن الإسلام، مهما يكن في طاعتهم من الظلم والفساد
وخراب البلاد وإرهاق العباد، عملا بالمعتمد عند الفقهاء بغير نظر ولا اجتهاد،
وهذا أهم أسباب اعتقاد الكثير منهم أن سلطة الخلافة الشرعية تحول دون حفظ
الملك والحياة الاستقلالية، وسنفصل الكلام في هذا بعد، وفيما يجب لجعل الحكم
شرعيا إسلاميا.
***
12 - ما يخرج به الخليفة من الإمامة:
قال الماوردي بعد بيان ما يجب على الإمام، وقد تقدم: وإذا قام الإمام بما
ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم
حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله.
(والذي يتغير به حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما جرح في
عدالته، والثاني نقص في بدنه، فأما الجرح في عدالته فهو على ضربين (أحدهما)
ما تابع فيه الشهوة (والثاني) ما تعلق فيه بشبهة، فأما الأول منهما فمتعلق
بأفعال الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات، تحكيما
للشهوة وانقيادا للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا
طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة، لم يعد إلى الإمامة
إلا بعقد جديد.
وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد والمتأول بشبهة تعرض فيتأول لها خلاف
الحق - فقد اختلف العلماء فيها: فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة
ومن استدامتها، ويخرج بحدوثه منها.. إلخ (ص16) .
(المنار: وبعد تفصيل الخلاف في هذه المسألة - وهي الابتداع بالتأول -
ذكر القسم الثاني مما يمنع من الخلافة وهو نقص البدن فجعله ثلاثة أقسام: نقص
الحواس ونقص الأعضاء ونقص التصرف. وقسمها أيضا إلى أقسام، وأطال في بيان
أحكامها والذي تقتضي الحال نقله منه نقص التصرف، وقد عقد له فصلا خاصا قال
فيه ما نصه) :
(وأما نقص التصرف فضربان: حجر، وقهر، فأما الحجر فهو أن يستولي
عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية، ولا مجاهرة
بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته، ولا يقدح في صحة ولايته، ولكن ينظر في
أفعال من استولى على أموره، فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل
جاز إقراره عليها، تنفيذا لها، وإمضاء لأحكامها؛ لئلا يقف من الأمور الدينية ما
يعود بفساد على الأمة. وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم
يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه) .
(وأما القهر فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص
منه فيمنع ذلك من عقد الإمامة له؛ لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، وسواء
كان العدو مشركا أو مسلما باغيا، وللأمة فسحة في اختيار من عداه من ذوي القدرة،
وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من
نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك، إما بقتال أو فداء.
(فإن وقع الإياس منه لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة
المسلمين، فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه، واستأنف
أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة) .
وهنا ذكر مسألة عهده بالإمامة إلى غيره، وما يصح منها وما لا يصح،