تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لي أن أبين لك ضلالك القديم، إنك خادمي لا عمل لك غير خدمتي وإنك أشد الناس

إعجابا بي وإجلالا وتعظيما لي، حتى إنك على هذا كله تخالف أمري في أهون

خدمة أطلبها منك في داخل الدار معتذرا بشدة البرد - وإن هذا المؤذن الفارسي

يخرج من بيته قبل الفجر ويصعد هذه المنارة، وهي أشد مكان في البلد بردا، حتى

إذا لاح له الفجر أشاد في آذانه بذكر محمد العربي بعد مرور أربعة قرون ونيف

على بعثته إيمانا وإذعانا، وتعبدا واحتسابا. فتأمل هذا وتدبره في نفسك يظهر لك

الفرق بين سلطان النبوة على الناس وسلطان العلم والفلسفة.

فمن أعظم مزايا هداية الوحي الدينية على العلمية الكسبية هو أن جميع

طبقات المؤمنين بها يذعنون لها بالوازع النفسي التعبدي، فبذلك تكون عامة ثابتة لا

مجال للخلاف والتفرق فيها ما دام الفهم لها صحيحا، والإيمان بها راسخا، ولذلك

نرى الشعوب التي ساء فهمها للدين، وتزلزل إيمانها به أو زال، لا ينفعها من

دونه علوم العلماء، ولا حكمة الحكماء، وقد ارتقت العلوم والحكمة في هذا العصر،

وعم انتشارهما بما لم يعرف مثله في عصر آخر، وهم لا يذعنون في أنفسهم

لإرادة ملك أو أمير، ولا لرأي عالم نحرير، ولا فيلسوف شهير، ولا مشترع

خبير، بل صاروا إلى فوضى في الأخلاق والآداب والاجتماع، واستباحة الأموال

والأعراض وكذا الدماء، لم يعهد لها في البشر نظير، صارت بها الأمم والدول

عرضة لفتنة في الأرض وفساد كبير.

أكثر البشر يؤمنون بوجود الله وعلمه وحكمته، والمثقفون بالتعليم العصري

يؤمنون بوحدانيته، ولم يبق للشرك به تعالى بقية إلا في جهلة المتبعين لتقاليد

الأديان المنسوبة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما هي من أديانهم في شيء،

بل هي هادمة لأساسها الأعظم، وهو التوحيد المطلق، فكان فشو الشرك بعبادة

الأولياء والقديسين وما ترتب عليه واقترن به من الخرافات وفساد الأخلاق من أكبر

الشبهات على صحة هذه الأديان والمنفرات عن اتباعها، وصار أكثر البشر إما

مؤمنين بالأنبياء دائنين بالخرافات، وإما كافرين بهم منكرين أن الدين وحي من الله

تعالى، وتعين إرجاع الفريقين إلى هداية الدين الصحيح وما هو إلا دين الإسلام.

إن الدين الذي ينتمي إليه أكثر شعوب الحضارة في هذا العصر هو النصرانية،

وإنما سبب بقائه فيهم أن دولهم قد جعلته من نظام حياتهم الاجتماعية، فهو لم يبق

له سلطان روحي إلا في قلوب العوام الخرافيين، وقد جاءتنا الأنباء قبل طبع هذا

الفصل بأن الشعب الألماني وهو أرقى شعوب الأرض علما وفنا وحضارة قد ثار

على هذا الدين ثورة جديدة يريد بها هدم أساسه من كتب العهد القديم، وتنقيح تعاليم

العهد الجديد، وجعل ما يبقون منه وطنيا ألمانيا خاصا بالجنس الآري الهندي

الفارسي الأصل، والتبرؤ من كل ما هو سامي عنه، وما أنبياؤهم ورسلهم

ومسيحهم ومعبودهم إلا من الساميين، بل يريدون تقديس شهداء الحرب وعظماء

أسلافهم الألمانيين، وإن هذه إلا وثنية كوثنية اليابانيين تذكي سعير العداوة بينهم

وبين سائر الأوربيين.

فلا سبيل إلى إنقاذ البشر في هذا العصر إلا إثبات الوحي المحمدي الموحد

لإنسانيتهم، المزكي لأنفسهم، المكمل لفطرتهم، الذي فيه السعادة الدنيوية

والأخروية لهم في جملتهم، وقد بينا في هذا الكتاب أن محمدا رسول الله وخاتم

النبيين، هو النبي المرسل إلى كافة الناس رحمة للعالمين، وأنه هو الذي أكمل الله

به الدين، وأزال العصبيات الجنسية والوطنية، لتوحيد الأخوة الإنسانية، فاتباعه

هو الترياق المجرب لهذه السموم الروحية الاجتماعية القاتلة، راجين أن يفتح الله

تعالى به أبواب الهدى لكل من يعقله ويتدبره من مستقلي الفكر، وطالبي معرفة

الحق، وإصلاح الخلق المعنيين بقول الله عز وجل: {قد جاءكم من الله نور

وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٣٦