تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاستعدادين، وشهد الكتاب عندهم لهابيل بأنه كان بارا لم يرتكب خطيئة، وهو لم

يكن نبيا.

جاء القرآن وهو المهيمن على جميع الكتب الإلهية بما لخصناه من الحق في

مسألة آدم وشهد لمن قص علينا خبرهم من أنبياء الله ورسله أنهم كانوا من

الصالحين الذي يقتدى بهم في البر والتقوى، كقوله في سورتهم: {وجعلناهم أئمة

يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا

عابدين} (الأنبياء: 73) وقال فيهم بعد ذكر أشهرهم: {أولئك الذين هدى الله

فبهداهم اقتده} (الأنعام: 90) .

وأما قوله لخاتمهم ومكمل هدايتهم: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله

ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح: 1-2) إلخ، وقوله: {واستغفر لذنبك

وللمؤمنين والمؤمنات} (محمد: 19) فالذنب فيه جاء بأصل معناه اللغوي

المنقول من ذنب الدابة، وهو كل عمل له عاقبة منافية للمصلحة أو لما هو أولى

وأنفع، ويدخل فيه الاجتهاد في الرأي المباح شرعا كإذن النبي صلى الله عليه وسلم

لمن استأذنه من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وعاتبه الله عليه بقوله: {عفا

الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} (التوبة:43) [*]

وإنما العصمة للأنبياء من معصية الله بمخالفة وحيه إليهم؛ إذ لو عصوه لكان

أتباعهم مأمورين من الله بالمعصية؛ لأنه أمرهم باتباعهم، وقال في نبينا صلى

الله عليه وسلم: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم

الآخر وذكر الله كثيرا} (الأحزاب: 21)

العقل والعلم البشري لا يغنيان عن هداية الرسل:

(فإن قيل) : إن الإيمان بالغيب ووجود الرب غريزي في الفطرة البشرية

كما حققتم، أو إلهام من إلهاماتها يلقى في روع أفرادها عند إدراكهم، وإن بعض

الحكماء المفكرين قد ارتقوا في معارفهم العقلية إلى حيث أقاموا البراهين على وجود

واجب الوجود وعلمه وحكمته، ووجوب تعظيمه وشكره وعبادته، وقد قرر بعضهم

بقاء النفس بعد الموت وخلودها في نعيم مقيم أو عذاب أليم، ووضعوا للناس أصول

الفضائل والتشريع والآداب التي تصلح بها الإنسانية وروابط الاجتماع.

(قلت) : نعم لكل ذلك أصل يثبته التاريخ الماضي، ويشهده العصر

الحاضر، ولكن بين هداية الأنبياء وحكمة الحكماء وعلومهم فروقا في مصدر كل

منهما، وفي الثقة بصحته، وفي الإذعان لحقيقته، وفي تأثيره في أنفس جميع

طبقات المخاطبين.

فحكمة الحكماء وعلومهم آراء بشرية ناقصة وظنون، لا تبلغ من عالم الغيب

إلا أنه موجود مجهول، وهي عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة

مخصوصة من الناس، وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها

يرجحها على هواه وشهواته؛ إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها

تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد؛ لأن النوع البشري بأبى طبعه وغريزته أن

يدين ويخضع خضوع التعبد لمن هو مثله في بشريته، وإن فاقه في علمه وحكمته

وإنما يدين لمن يعتقد أن له سلطانا غيبيا عليه بما يملكه من القدرة على النفع

والضر بذاته، دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس بحسب سنن الكون

ونظامه.

وأضرب لهذا مثلا أنه كان للفيلسوف الرئيس ابن سينا خادم متعلم معجب

بعلومه وفلسفته، وكان يعجب منه كيف يدين بملة محمد صلى الله عليه وسلم

ويتبعه وهو في رأيه أعلم منه وأرقى، وكان يكاشفه بذلك فيعرض عنه أو يوبخه،

فاتفق أن كانا في مدينة أصفهان في ليلة شديدة البرد كثيرة الثلج، فأيقظ الرئيس

خادمه في وقت السحر وطلب منه ماء ليتوضأ به، فاعتذر بشدة البرد وبقاء الليل،

ثم أيقظه الرئيس في وقت أذان الصبح وطلب منه الماء فاعتذر بشدة البرد. حتى

إذا قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله - قال الرئيس لخادمه اسمع، ماذا يقول

المؤذن؟ قال: إنه يقول: أشهد أن محمدا رسول الله. قال الرئيس: الآن قد آن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٣٥