تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير ذلك مما يسخط الرب.

وأما الشكر فكان أكمل مظاهره منها رضاها من المرحوم الوالد وإطراؤه في كل

أعماله على ما كان من شدته في معاملتها ومعاملتنا أحيانا، فلم يكن في أسرتنا مثله في

غضبه وشدته عفا الله عنه، وما زالت تمدحه وتثني عليه وتدعو له طول حياتها.

وقد ضارها بزوج أخرى من بنات عمومته بعد ولادتها لي - ولم يجمع أحد

من أسرتنا بين زوجين غيره إلا ابن عم له - فلم ينكر هو ولا غيره منها قولا ولا

فعلا من غيرة الضرائر على ما كان أهل ضرتها يعملون لإغضابها وإثارة غيرتها

ولكنه رحمه الله تعالى ما استطاع أن يطيل عشرة الأخرى فسرحها سراحا جميلا.

ومن أغرب آدابها أنها كانت تعد لأولادها عليها بأقل خدمة يؤدونها مما أوجبه

الله عليهم ويعذبهم على تركه، حتى كان يثقل علي هذا منها أحيانا، وقد قلت لها

مرة: لماذا تتحامين أو تستثقلين أمر أي كان من كبيرنا وصغيرنا بما تريدين منه

وأنت سيدة الجميع وصاحبة الفضل على الجميع؟ فقالت: بل أنت صاحب الفضل

على الجميع. فما آلمتني بكلمة أشد على طبعي من هذه الكلمة، فقلت لها: بل أنا

لولا توحيد الله تعالى لما كنت إلا عبدا لك، وانصرفت موجعا من هذا الشعور

الغريب.

وأغرب منه أنها كانت تسترقيني إذا وجعت فأرقيها، والرقية مشروعة،

ولم تكن من النساء الخرافيات، وقد ذهبت مرة مع بنتيها لرؤية جامع عمرو فأحاط

بهن سدنة القبور فقلن لهم: إنما نحن متفرجات لا زائرات، فانصرفوا.

وأعد من فضل الله تعالى علي أنني ورثت منها سلامة الفطرة وطيب السريرة،

فلم أحمل في قلبي حقدا على مسيء ولا حسدا لذي نعمة، وكذا الاستعداد لذوق

اللغة وحسن الفهم، وغير ذلك من أخلاقها وخلقها، كما ورثت من والدي - أكرم

الله مثواهما - عزة النفس والشجاعة والنجدة؛ وإنما أذكر هذا تنويها بفضل الوالدين

وتحدثا بنعم الله عز وجل، وأعظمها العلم الصحيح بالإسلام، والعمل به، ثم وراثة

النسب الشريف.

كنت أتمنى لو تعيش الوالدة مائة سنة أو أكثر متمتعة بالصحة، وسلامة العقل

والجسد كما كانت إلى آخر رمضان الماضي، نتمتع بخدمتها وإرضاء الله برضائها،

ونقتدي بأخلاقها وآدابها، ونرجو زيادة نعم الله علينا بشكرها له ودعائها لنا.

وكنت على حبي لها أخشى أن تشتد عليها الأمراض فأراها معذبة أو شاكية

وجعة، وكانت أصبر على ألم النفس منها على ألم الجسد لأنها لم تتعود هذا، وقد

شقت عليها الحمية في هذه الأشهر التي ضعفت فيها لما اعتادته من الترف، وكانت

تتوقع أن يزول كل ما عرض لها فتعود إلى سابق صحتها، وتتساءل متى يكون

هذا؟ فأذكرها بتجاوز الثمانين لكيلا تتضجر من بطء ما ترجو.

وكنت على تمني أن يطول عمرها أخشى أن أموت قبلها؛ لأنني أعلم أن

رزأها بي يكون أكبر المصائب عليها، إذ كنت قرة عينها والعزاء لها والسلوى

عن جميع مصائبها، وقد كان يشق علي أن أراها متعبة فلا أستطيع طول المكث

معها، وأحمد الله تعالى أن حفظها في مرضها عقلا وفهما وجسما وطهارة حسية

ومعنوية - كما يليق بمبالغة الشافعية في الطهارة - حتى كانت إلى نهاية أجلها

حديدة البصر، تنظم الخيوط الدقيقة في أخرات الإبر؛ ولكن أجل الله إذا جاء لا

يؤخر، ولقد عاشت طيبة وماتت طيبة فنسأله تعالى أن يجمعنا بها في دار كرامته،

ويجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه {ربنا أفرغ علينا صبرا

وتوفنا مسلمين} (الأعراف: 126) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٤٥