ومع هذا الإكمال يروي لنا المحدثون عن خاتم النبيين صلوات الله وسلامه
عليه وعليهم أجمعين، أنه قال: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل
مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه،
والبيهقي في المعرفة وغيرهم من حديث أبي هريرة، وأشار السيوطي في جامعه
الصغير إلى صحته، والمراد بتجديد الدين تجديد هدايته، وبيان حقيقته وحقيته،
ونفي ما يعرض لأهله من البدع والغلو فيه أو الفتور في إقامته، ومراعاة مصالح
الخلق وسنن الاجتماع والعمران في شريعته. اه. وموعدنا في الكلام في التجديد
الديني والدنيوي القضية الثالثة.
هذه حقيقة معنى التجدد والتجديد، وهي تهدينا إلى أن لكل من الجديد والقديم
محلا، وأن من الجهل تفضيل أحدهما على الآخر مطلقا.
المفاضلة بين المتقدم والمتأخر:
وأما المتقدم والمتأخر من الناس فقد كانت القاعدة عند أهل العلم والأدب منا
تفضيل المتقدم على المتأخر ولكن القاعدة عند أهل النشوء والارتقاء العكس وإنما هذا
وذاك بالنسبة إلى جملة أهل العصر، دون الأفراد النابغين الذين قلما تجود بمثلهم
الأزمان، ومذهب النشوء الاجتماعي ظاهر في الأمم في أطوار حياتها وقوتها، بل هو
ظاهر في الدين الإلهي أيضا، فقد ارتقت الشرائع الإلهية بحسب استعداد البشر حتى
كان آخرها - وهو الإسلام - منتهى الكمال، فجعل الله رسوله الذي جاء به خاتم
النبيين، وبعثته عامة باقية إلى يوم الدين، وأنزل عليه قبل وفاته {اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3) .
وقد كان بعض الأدباء يفضل المتأخرين في بعض الأشياء، وقد افتتح عنترة
معلقته المشهورة بقوله:
هل غادر الشعراء من متردم
يعني أن الشعراء قبله لم يتركوا لمن بعدهم قولا يقوله؛ ولكنه هو جاء فيها
بمعان لم يسبقه إليها غيره، وقد عارضه ابن أبي حجلة في تفضيل كتابه (ديوان
الصبابة) على ما سبقه في معناه بقوله في خطبته: فإن قلت الفضل للمتقدم، وهل
غادر الشعراء من متردم؟ أقول: في الخمر معنى ليس في العنب، وأحسن ما في
الطاووس الذنب.
وكلمة (الفضل للمتقدم) صارت مثلا في أفواه العلماء والأدباء، ولا أدري
أول من قالها هل هو عدي بن الرقاع الشاعر الأموي الذي ضمنها في شعره أم
غيره؟ وهذا شيخ صناعة الأدب الحريري قد استشهد في تفضيل بديع الزمان على
نفسه في مقدمة مقاماته بقول عدي هذا، ثم رأيناه عقد المقامة السادسة منها لتفضيل
الطريف على التليد، ونصر العصاميين على العظاميين، وإني أحفظ من عهد
طلب العلم عبارته في هذا، ولا يخلو إيرادها من إحماض وفكاهة، قال:
(روى الحارث بن همام قال: حضرت ديوان النظر بالمراغة، وقد جرى
به ذكر البلاغة، فأجمع من حضر من فرسان اليراعة، وأرباب البراعة، على أنه
لم يبق من ينقح الإنشاء، ويتصرف فيه كيف شاء، ولا خلف بعد السلف من
يبتدع طريقة غراء، أو يفترع رسالة عذراء، وأن المفلق من كتاب هذا الأوان،
المتمكن من أزمة البيان، كالعيال على الأوائل، ولو ملك فصاحة سحبان ووائل،
وكان بالمجلس كهل جالس في الحاشية، عند مواقف الحاشية، فكان كلما شط القوم
في شوطهم، ونثروا العجوة والنجوة من نوطهم، ينبئ تخازر طرفه، وتشامخ أنفه،
أنه مخرنبق لينباع، ومجرمز سيمد الباع، ونابض يبري النبال، ورابض يبغي
النضال، فلما نثلت الكنائن، وفاءت السكائن، وركدت الزعازع، وكف المنازع،
وسكنت الزماجر، وسكت المزجور والزاجر، أقبل على الجماعة وقال: لقد جئتم
شيئا إدا، وجرتم عن القصد جدا، وعظمتم العظام الرفات، وافتتم في الميل إلى
من فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللدات، ومعهم انعقدت المودات، أنسيتم
يا جهابذة النقد، وموابذة الحل والعقد، ما أبرزته طوارف القراسح، وبرز فيه
الجذع على القارح، من العبارات المهذبة، والاستعارات المستعذبة، والرسائل