تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في المدارس، فكان بدء عصر جديد في الكيمياء والطبيعة تقوضت فيه سنن

ونواميس كانت من المسلمات، وثبت خلافها، كإشعاعه الحرارة والنور إشعاعا

دائما من غير أن ينقص من وزنه شيء، وكعدم تأثير ما حوله فيه من حرارة

وبرودة، وكتحول المادة الغازية التي تنبعث منه إلى عنصر الهيليوم، وبهذا ثبت

شيء كان علماء هذا الفن يجهلونه؛ إذ كانوا يقولون إن عناصر المادة البسيطة لا

يتحول شيء منها فيستحيل إلى غيره.

وقد كانت سنة الجاذبية من المسلمات التي لا نزاع فيها حتى قام الأستاذ

أينشتين الألماني بتقويض دعائمها بنظرية النسبية، التي فتحت في العلم بابا جديدا

من أبواب المحو والإثبات في الطبيعيات وفي الرياضيات أيضا.

وتلك نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي التي تدعمها سنن كثيرة في

الجيولوجية والنبات والحيوان والإنسان قد وقعت في النزع والاحتضار، كما بينا

في مقالة خاصة في المنار، أو قضي عليها بالتبع للقضاء على النظرية الميكانيكية

التي بنيت عليها، كما نشر في بعض الصحف في هذه الأيام.

أساس الكون ومصدره ومظهره:

وما لي لا آتي إلى أساس هذا الكون والسنن التي قام بها تكوينه في الأطوار

المختلفة، ألم يكونوا يقولون: إنه مؤلف من مادة ذات عناصر بسيطة، وقوة هي

منشأ التركيب الذي حدثت به الصور المختلفة في العالم كله.

قد هدم هذا الأساس إن لم يكن بما ثبت من تحول عنصر إلى عنصر، فبما

ثبت من تحول القوة إلى مادة، ثم بما ثبت من أن ما نسميه المادة والقوة اصطلاح

لا تعرف له حقيقة، وأن هذا الوجود الذي نعرفه في أرضنا وسمائنا ليس سوى

مظهر من مظاهر تموجات الكهرباء، وأن كل ذرة من ذراته تتألف من عدة كهارب

سلبية تدور حول كهرب إيجابي - والكهرب هو الوحدة من الكهرباء - وهذه

الكهارب لا يمكن أن يقال إنها مادة ولا إنها قوة، وإنما حقيقتها مجهولة.

وهذا الذي استقر عليه رأي علماء الكون أخيرا يؤيد ما أثبتناه في المنار وفي

تفسيره من أن أول مظهر من مظاهر التكوين الذي نسميه المخلوق الأول مجهول

للبشر، وأن علماء الكون اختلفوا في إمكان علم البشر به، فمنهم من يقول: إنه

يمكن الوصول إلى العلم به بطول الترقي في معارج العلم، ومنهم من يقول بعدم

إمكان ذلك، ونقل هذا عن الفيلسوف سبنسر قبل القول الأخير بتركب الذرات من

الكهارب، ورأينا في هذه الأيام من نقله عن الأستاذ صليفان.

بل هو مثبت لأقوى الأدلة العقلية على وجود الله تعالى عندنا، وهو أن جميع

مظاهر هذا الكون السماوية والأرضية تطورات تستند إلى حقيقة غيبية لا يعلم أحد

كنهها، وقد بينا ذلك مرارا كثيرة منها مناظرة دارت بيننا وبين العلامتين صاحبي

المقتطف.

فإذا كانت المادة تصدر عن القوة كما قالوا فما المانع من القول بأن هذه القوة

هي قوة الله وقدرته؟ وإذا كان الوجود الممكن كله مظهرا من مظاهر تموجات

الكهرباء المجهولة الكنه، فأي بعد بين قولهم هذا وقول أتباع الوحي: إن الوجود

الممكن الظاهر صادر عن الوجود الواجب الغيبي الباطن و {هو الأول والآخر

والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (الحديد: 3) .

نكتفي بهذه الكلمة الوجيزة في سنن الوجود الظاهر المدرك بالحواس، الذي

بلغ البشر من العلم بها مستوى لم يعرف في التاريخ ما يقرب منه لأحد من شعوب

الحضارة القديمة.

وإذا نحن ارتقينا عنه إلى علم النفس، وما تجدد فيه عند علماء العصر،

علمنا أن في الوجود سننا غير سنن المادة بأنواعها بعد أن صار التنويم المغناطيسي

من الحقائق الثابتة بالتجارب المطردة، وما تبع ذلك وتقرر من بعض أنواع الكشف

الذي يعبرون عن بعضه بقراءة الأفكار وبمراسلة الأفكار، وقد شاهدنا بعض ذلك

بالطريقة الصناعية، بعد ثبوته عندنا بالهبة الإلهامية.

ووراء هذا وذاك مسألة مناجاة الأرواح التي آمن ببعض مظاهرها من لا

يحصى لهم عدد من العلماء الطبيعيين والرياضيين، ووقف كثير منهم عندها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٢