حائرين.
وفوق ما ذكر كله قدرة رب العالمين، وإرادته واختياره في الخلق والتقدير
والتدبير، وهو واضع السنن والقوانين، ومسخر الأسباب والنواميس، الحاكم بها
وعليها وفيها بعد إيجاده لها، والمبدع لما شاء قبل وجوده وبعده {إنما أمره إذا
أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه
ترجعون} (يس: 82-83) .
الإيمان بقدرة الفاطر فطري أو فكري والشذوذ فيه:
فالإيمان بقدرة الفاطر المبدع، الخالق المصور المقدر، غريزي في هذا
الإنسان المفكر، ظهر في أجياله المفكرة في مظاهر مختلفة، من فطرية ساذجة،
وفكرية راقية، ووجدانية شعرية، وروحانية إلهامية.
وشذ أفراد من المفكرين في هذا الأمر وفي اختلاف الناس فيه كشذوذ الناس
في كل علم وعمل، لم يظهر لهم الصواب في جانب أحد منهم، ولا في شيء آخر
يصح أن يكون فصلا فيما اختلفوا فيه، فكانوا فريقين (أحدهما) معطل لا يؤمن
بشيء غيبي فوق هذا الوجود المدرك بالحواس (والثاني) شاك حائر بين إثباته
ونفيه.
ذلك بأن البشر قد فطروا على التفاوت العظيم في الاستعداد للعلم والعمل،
وهذا التفاوت يقتضي بطبعه الاختلاف في الفهم للشيء والحكم فيه، والاختلاف بين
الناس في وسائل معارفهم البشرية ومقاصدها، يفضي بهم إلى الترقي فيها، فهو
نافع ما لم يكن علة أو معلولا للتفرق والتعادي.
ومن المعلوم بالعقل والتجارب أنه لا مثار لاختلاف التفرق فيما ترتقي به
الزراعة والصناعة، ولا في وسائل انتشار التجارة، إذ لا يرى أحد من الناس
غضاضة على نفسه ولا على قومه في اتباع ما سبقهم إليه غيرهم فيه.
وأما العلم بما يجب الإيمان به من وجود الفاطر وصفاته وشكره وعبادته، وما
يرضيه أن يكون عليه عباده، فهو مما لا يرتقي ويتمحص باختلاف الناس فيه،
ولا هو مما يسهل عليهم أن يأخذ كل قوم ما سبقهم إليه غيرهم فيه بكسبهم
واجتهادهم، إذ لا يمكن أن يصل ذلك إلى درجة القطع التي يزول فيها الخلاف
بالضرورة، وقد ثبت بالتجربة في الأجيال والآماد الكثيرة، أنه كان أعظم أسباب
التفرق والتعادي وسفك الدماء الغزيرة.
حاجة البشر إلى الدين المستمد من الوحي:
فمن ثم كان البشر في أشد الحاجة لبيان الحق فيه إلى وحي من الله عز وجل،
تقوم به الحجة على جميع أولئك الفرق من المؤمنين المختلفين، ومن الملحدين
المعطلين، والشاكين اللاأدريين {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل
معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} (البقرة: 213) الآية.
وقد كان من حكم كتاب الله الحق فيما اختلف فيه الناس بمقتضى ما ذكرنا من
غريزة التفاوت بينهم في العلم والفهم والحكم، أن العالم كله صادر عن قدرة الله
تعالى ومشيئته واختياره، سواء فيه ما أبدعه ابتداء، وما خلقه بنظام السنن العامة
في الأسباب والمسببات، فالسنن وما وضعت له وجرت فيه كل ذلك بيد الله
يتصرف فيها بمشيئته ليس مقيدا بشيء منها، فهو إذا شاء غيرها؛ ولكنه لا يفعل إلا
ما تقتضيه حكمته، فصفات الله تعالى من العلم والحكمة والمشيئة والقدرة والرحمة
لا تناقض ولا تعارض في متعلقاتها، كما بيناه مرارا في تفسيرنا.
هذا حكم الله تعالى في كتبه لرسله كما نراه في نصوص آخرها الذي أنزله الله
مصدقا لها ومهيمنا عليها، وسنذكر بعض الشواهد منه فيها.
ويقابله قول معطلة الماديين الذين ينكرون الخالق والخلق بالمشيئة، وبعض
الفلاسفة الإلهيين الذين يثبتون لرب العالمين من صفات الكمال ما عدا الاختيار في
المشيئة، ومذاهبهم في تأثير الطبائع بذاتها، وضرورة اتصال العلل بمعلولاتها،
وكون الله تعالى خلق المادة وأودع فيها قواها ونظامها، وتركها لنفسها فلم يبق له
فعل فيها، كل ذلك معروف ليس من موضوعنا تفصيله والرد عليه؛ وإنما غرضنا
من ذكره أن نبين أن الناس على قسمين: مليين على هدي أنبياء الله تعالى يؤمنون