فيسري فيهما من روحه ما يجذب إليهما الروح التي خرجت منهما بقدرة الله تعالى،
ومثل ذلك حلول الحياة في عصا موسى في الوقت المعلوم الذي أمره الله فيه بإلقائها
عند بعثته، وعند امتحان السحرة له، والله على كل شيء قدير.
لا فرق بين ما لا نعلمه من هذه السنن الروحية، وما نعلمه من السنن
الجسدية في كون كل منهما فعل مبدع الأرواح، وخالق الأجساد، ولا يعترض
بإحداهما على الأخرى عند من يؤمن بأن الخالق واحد هو واضع السنن ومقدرها؛
ولكن هذا الأمر النادر ينكره من لا يؤمن بأن كلا منهما فعل الله القادر على كل
شيء.
ومن الغريب أن أطباء هذا العصر وأعلم علمائه الماديين يرون من الجائز في
العقل الذي يقرب أن يصل إليه العلم، أن تعود الحياة إلى جسد الإنسان أو الحيوان
بعد موته بمدة غير طويلة كحياة البنت الميتة التي دخل المسيح عليه السلام بيت
أبيها وأمها وسأل عنها فقيل له: إنها نائمة حتى لا ينغصوا عليه ضيافتهم له،
فناداها قائلا: لك أقول يا صبية قومي، فقامت بإذن الله تعالى.
وأغرب من هذا أن منهم من يقول بإمكان إيجاد الحياة في بعض الأجسام
بطريقة علمية صناعية، ونقل أخيرا عن عالم منهم اسمه مورجان أنه قام بتجارب
عملية أثبت بها إمكان استيلاد مخلوقات حية على سبيل الشذوذ Emergeney،
وملحد دمنهور لا يصدق أن المسيح أحيا الناس من موت الجهل والرذيلة؛ ولكن
هذا النوع من الإحياء ثابت لجميع العلماء الذين يعلمون الصغار - والجاهلين من
الكبار - ما يزيل جهلهم ويحييهم حياة دينية أو أدبية أخلاقية، فهو لا يمكن أن تكون
آية لعيسى عليه السلام ينوه بها كتاب الله، ويخبرنا أن الجاحدين لنبوته وصفوها
بالسحر.
وما عهد من المؤمنين بالله ورسله أحد ينكر هذه الآيات بمثل هذه الشبهة،
وإنما عهد ذلك من الكافرين بالله وبرسله، أو من الزنادقة الذين يظهرون الإيمان
ويسرون الكفر لخداع المؤمنين وتشكيكهم في دينهم توسلا إلى إخراجهم منه كملاحدة
الباطنية.
السنن من الممكنات بين المحو والإثبات:
فإذا كنا نقول بثبوت سنن الله واطرادها لما بينه الله من ذلك، فالواجب في
ذلك أن نتبع كتاب الله فيما يبينه من خوارق العادات أيضا، فلا نكون ممن قال الله
تعالى فيهم: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك
منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل
عما تعملون} (البقرة: 85) .
وإذا أردنا أن نثبت هذه السنن واطرادها من طريق العلم ونبني عليه تأويل ما
يخالفها كله من نصوص الكتاب والسنة على طريقة المتكلمين المعروفة (وهو ما
يمكن أن يستمسك به ملحد دمنهور) فيجب علينا قبل كل شيء أن نبين ما تقوم
الأدلة العلمية القطعية على صحته واطراده واستحالة تغيره وتخلفه مطلقا، وحينئذ
لا نكاد نجد شيئا بهذه الصفات إلا قليلا من الضروريات (ككون النقيضين لا
يجتمعان ولا يرتفعان) وليس منها عودة الحياة إلى من مات ولم يطل العهد على
موته، كالبنت التي أحياها المسيح عليه السلام، ولا إعادة وظائف التناسل إلى من
فقدها من النساء والرجال، كما وقع لزكريا وزوجه عليهما السلام.
والقاعدة عند علماء الكون - حتى الماديين منهم - أن كل ما نقول إنه من
سنن الكون (أو نواميسه) فإنما هو بحسب ما ظهر لنا ببحثنا وتجاربنا، وأنه
يجوز أن يظهر لنا ما يخالفه ويثبت لنا خطأنا فيه، كما حصل مرارا فيما ظهر
للباحثين من خطأ من كان قبلهم من العلماء والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، ولا
أرجع في التمثيل لهذا إلى ما نقض علماء الحضارة الأوربية من قواعد علوم اليونان
والعرب وأفلاكهم وفلسفتهم، ولا إلى ما نقض بعضهم من قواعد بعض في القرون
الأربعة الماضية، بل أكتفي بأهم ما حدث من ذلك في عصرنا هذا:
عثروا على مادة الراديوم الذي لا يجهل اسمه قارئ للجرائد، دع متلقي العلوم