الظنية ولا يأبون إثباتها بما دونها من الضعاف، وبهذا النظر قبل بعض العلماء ما
روي فيها وإن كان معلولا، وحينئذ يقال في كون معناها مخالفا لسنن الله تعالى في
الأجساد: إنها تنظم في سلك خوارق العادات، وإذ كانت ليست بعقيدة واجبة ولا
يترتب عليها عمل فلا حرج على من صدقها ولا على من أنكرها؛ ولكن بعض
العلماء أدخلوا فيها القياس وهي مما لا يقاس عليه ولو ثبت، فقالوا: إن جميع
الأولياء والشهداء كالأنبياء في هذه المنقبة، وزاد آخرون: العلماء والمؤذنين
والمحتسبين، ويتساهل في كتابة هذا المؤلفون المقلدون السطحيون والخرافيون
كأبي الليث السمرقندي، وينقلون فيها حكايات سبقهم إلى مثلها النصارى في
شهدائهم وقديسيهم. وإن التسليم بهذه الخرافات وعدم إنكار العلماء لها قد كان فتنة
للعقلاء المستقلين، منفرا لهم عن الدين، وقد نبش بعض رجال الحكومة التركية
اللادينية الحاضرة بعض قبور الأولياء المعتقدين عند العامة أمام الجماهير منهم
فأروهم بأعينهم أنه ليس فيها إلا عظام نخرة، واستدلوا بهذا على أن الدين كله
خرافات باطلة، فما يتساهل فيه الخرافيون لتقوية إيمان العوام، قد يفضي إلى هدم
إيمان الخواص والعوام.
(8) صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة:
كان الصحابة يسعون إلى المسجد يوم الجمعة متنافسين في التبكير ما
استطاعوا، فيصلي كل ما تيسر له، فإذا جاء وقت الصلاة خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم من بيته إلى المسجد وابتدر المنبر، وحينئذ يؤذن المؤذن بين يديه،
فإذا فرغ من أذانه قام صلى الله عليه وسلم وخطب الناس خطبتين يفصل بينهما
بجلسة خفيفة، ثم ينزل فيصلي بالناس الجمعة، فإذا فرغ انصرف إلى بيته فصلى
فيه ركعتين، وخرج المسلمون كذلك فانتشروا في الأرض يبتغون من فضل الله كما
أمر الله تعالى، وقد بينا الروايات في هذا مرارا، وهكذا كان الخلفاء يصلونها، إلا
أن عثمان رضي الله عنه زاد أذانا خارج المسجد لإعلام الناس بالوقت؛ لأنهم
كثروا وكثرت شواغلهم.
(9) حكم من رضع ثدي امرأته:
رضاع الرجل الكبير لا تثبت به البنوة؛ فإن جماهير السلف والخلف على أن
الرضاعة المحرمة ما كانت في الصغر، إذ يكون مدار نمو البدن على الرضاع
الذي أشير إليه في الأحاديث بأنه ما كان من المجاعة، وقبل الفطام والفصال، وما
فتق الأمعاء في الثدي، أي في أيام الثدي، وهي سنتان عند الجمهور، وسنتان
ونصف عند أبي حنيفة وهنالك أقوال أخرى متقاربة، ولا معارض لذلك إلا حديث
عائشة في مسألة سالم مولى أبي حذيفة، فإنه كان يدخل على امرأته وهو صغير،
وكان عبدا له فأعتقه، فلما بلغ الحلم صار يشق على أبي حذيفة دخوله على أهله
فذكرت زوجه سهلة بنت سهيل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها:
(أرضعيه تحرمي عليه) ففعلت، فزال ما في نفس أبي حذيفة، وقد تأول الجمهور
من السلف والخلف هذا الحديث بأنه فتوى خاصة في حال ضرورة، إذ كان أبو
حذيفة وأهله في حاجة شديدة إلى خدمة هذا الغلام الذي رباه هو وامرأته صغيرا،
وقال بعض فقهاء الحديث: إنه يقصر على مثل هذه الحال من الضرورة، وما كان
كذلك في مراعاة المصلحة لا يدخل فيه هدم أكبر المصالح الزوجية وهو تحريم
المرأة على زوجها إذا مص ثديها عن شهوة ومداعبة، فيحكم عليه بأنه صار ولدا
لها كأولاده منها، على أنه ينبغي اتقاء ذلك احتياطا.
(10) شرب الجعة المسماة بالبيرا:
المشهور عن الجعة أنه يسكر الكثير منها دون القليل في الغالب، فهي محرمة
لما حققناه في التفسير وغيره أن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">