تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يجب أن يعرف به المسلمون بعضهم بعضا، ويتعاونوا ويتناصروا ويبحثوا

عن خطة مشتركة للنجاة من هذه الورطة، وللفوز والفلاح والحياة في المستقبل.

وهذا الذي دعاني إلى أن أقدم إلى مسلمي مصر والشام والعراق وسائر البلاد

العربية والإسلامية، الخطاب الجليل الذي خاطب به المحكمة الإنكليزية زعيم الهند

الحلاحل الهمام (الشيخ أبو الكلام أحمد) عندما حوكم فيها؛ لأنه فوق ما فيه من

البصائر والعبر، يبين مقاصد ذلك الجهاد، وطرق السير فيه بأحسن بيان غير أنه

لا بد لإيضاح كنه هذا الخطاب من بيان وجيز لحركة اللاتعاون السلمي التي سببته

هذه الواقعة.

***

(حركة اللاتعاون السلمي في الهند)

قامت حركة هذا الجهاد بعد هدنة الحرب الكبرى مباشرة، فظلت زمنا

محصورة في قيام المظاهرات وحشد المحافل واجتماع المؤتمرات، وإرسال الوفود

إلى إنكلترا وأوروبا، وغيرها من الطرق السياسية المعهودة، ولما لم تنتج هذه

الأعمال شيئا، تشاورت جمعية الخلافة والجمعية الوطنية الكبرى في وضع خطة

للعمل، ثم أعلنتا في أغسطس سنة 1920 (اللاتعاون السلمي) الذي هو داخل تحت

الأوامر الشرعية؛ لأنه قسم من أقسام ترك الولاء للمحاربين، والذي يسمى بالإنكليزية

OPERATION - EA - NON MONUIOLENT ومعنى (كوابريشن)

المساعدة والمشاركة في العمل، فكان الغرض منه أن تقطع عن بريطانيا جميع تلك

العلائق التي تساعدها في حكمها واستبدادها وقيامها في البلاد؛ لأن الهند ليس في

وسعها أن تقوم بحركة مسلحة؛ ولأنها تريد أن تقدم مثالا عمليا لمقاومة القوة بالطرق

السلمية، فلذا جعل عنوان هذه الحركة أن تكون سلمية بالمرة، فلا تقابل القوة المادية

بقوة مثلها، بل بالحلم والتضحية والثبات على الحق، تتعب القوة من الظلم والعسف،

ولا يتعب أصحاب الحق من الصبر والتضحية وكانت لائحة عملها كما يلي:

(1) ترد إلى الحكومة جميع مناصبها وألقاب شرفها وأوسمتها.

(2) تقاطع جميع مدارسها وكلياتها، وتؤسس للصبيان المدارس الوطنية،

والشبان يشتغلون بنشر الحركة وترويجها.

(3) تقاطع جميع المحاكم العدلية، فلا يذهب إليها المحامون ولا أصحاب

الدعاوى، بل تؤسس المحاكم الوطنية فتفصل فيها الدعاوى على الطرق البسيطة.

(4) تقاطع إصلاحات الحكومة التي تمن بها على البلاد، فلا يرشح

أحد نفسه للمجالس النيابية، ولا ينتخب لها أحد.

(5) تقاطع البضائع الإنكليزية، ولا سيما القماش منها، ويجب على

الوطنيين أن يغزلوا القطن بأيديهم، فينسج منه القماش، وهو الذي يستعمله

الناس.

(6) يجب ترك الخدمة العسكرية لأن الدولة البريطانية تستعمل الجيش

الهندي لاستعباد هذه البلاد وغيرها من البلاد الحرة.

(7) يجب أخيرا أن يمنع كل ما يدفع إلى الحكومة من أموال الضرائب

وغيرها فلا يؤدى إليها فلس واحد، وإن سجنت وعذبت.

لا يخفى خطر هذه اللائحة، فإنها لم تكن إلا دعوة إلى الإيثار وهضم النفس

وتحمل الخسائر، والتعرض للنوائب؛ إذ لا يلبيها أحد إلا وينفض يده من وسائل

معيشته، فيذر نفسه وأهله للضنك والفقر والفاقة، ثم يعرض عن كل ما عند

الحكومة من الرتب والمنافع والشرف والفخار، وبعد ذلك يعرض نفسه للحبس

والتعذيب، وقد يلقى إلى القتل والصلب، إلا أن البلاد رحبت بها وتقبلتها بقبول

حسن، فأخذت جماعات تاركي التعاون تظهر من كل جهة وتعلن هذه الأمور وتعمل

بها، والحكومة تراها بعينها ولا تعرف كيف تصد تيارها.

(مقاطعة ولي العهد)

ولما رأت الحكومة أن الحركة لا تزال تتقوى وتنتشر، وأنها لا تقدر على

قهرها لجأت إلى الحيل السياسية، فدبر الوالي العام الجديد اللورد ريدنج الداهية

الشهير، سياحة لولي عهد إنكلترا في البلاد الهندية، ظنا منه أن البلاد لا تأبى

استقباله والترحيب بضيفها لأن العائلة الملكية تعتبر عندهم فوق المنازعات

السياسية، فتضعف الحركة وتعود المياه إلى مجاريها.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٥