من معارضة الإمامة الإسلامية بأوجز عبارة، ولا نيأس من إقناع الكثيرين منهم
بالجمع بين الجنسية والإسلامية.
وهنالك فريق من المتفرنجين - ومنهم بعض المتدينين أكثر من غيرهم -
يرون أن إقامة الخلافة الإسلامية وجعل رئيس الدولة هو الإمام الحق الذي يقيم الإسلام
،متعذر في هذا الزمان في دولة مدنية، فإما أن تكون الخلافة في الدولة التركية اسمية
كما كانت في الدولة العثمانية ينتفع بها بقدر الإمكان ويتقى شر استبداد الخليفة وتكون
الحكومة مطلقة من قيد التزام الشرع في الأحكام التي لا يمكن العمل بها في هذا
العصر؛ وإما أن يستغنى عنها ألبتة، واستمالة حزب الاصلاح لهؤلاء أيسر من
استمالته لغيرهم.
***
20- حزب حشوية الفقهاء الجامدين:
إن جميع علماء الدين وأكثر العامة المقلدين لهم يتمنون أن تكون حكومتهم
إسلامية محضة، والترك يحتمون أن تكون تابعة لفقه المذهب الحنفي، ومنهم من
لا يرى مانعا من الأخذ في بعض الأحكام بفقه غير الحنفية من مذاهب أهل السنة،
ولا يبالون بما خالف ذلك من مدنية العصر، ولكن هؤلاء العلماء يعجزون عن جعل
قوانين العسكرية والمالية والسياسية مستمدة من الفقه التقليدي ويأبون القول بالاجتهاد
المطلق في كل المعاملات الدنيوية، ولو فوض إليهم أمر الحكومة على أن ينهضوا
بها لعجزوا قطعا، ولما استطاعوا حربا ولا صلحا.
طالما بينا في المنار أن تقصير علماء المسلمين في بيان حقيقة الإسلام والدفاع
عنه بما تقتضيه حالة هذا العصر هو أكبر أسباب ارتداد كثير من متفرنجة المسلمين
عنه، وأنهم لو بينوه كما يجب لدخل فيه من الإفرنج أنفسهم أضعاف من يخرج منه
بفتنتهم. وإن سبب ذلك أو أهم أسبابه أنه ليس للمسلمين إمام ولا جماعة تقيم ذلك
بنظام ومال كما يفعل إمام الكاثوليك (البابا) وجمعيات التبشير في بلاد النصرانية،
على أن السلاطين والأمراء وأتباعهم قد أفسدوا العلماء وأبطلوا عليهم زعامتهم
للأمة إلا فيما يؤيد ظلمهم واستبدادهم كما ذكرنا آنفا.
ولو كان للمسلمين خليفة قائم بأعباء الإمامة العظمى لما أهمل أمر الدفاع عن
الإسلام والدعوة إليه حتى كثر الارتداد عنه، وغلب على الدولة العثمانية من لا علم
لهم به. أليس من الغريب أنني لما وضعت مشروع الدعوة والإرشاد للقيام بهذه
الفرائض التي هي أول ما يجب على إمام المسلمين وجماعتهم - لم يوجد في وزراء
الدولة ولا رؤسائها من تجرأ على إجازة هذا الاسم؟ وأن الذين استحسنوا المشروع
اتفقوا على تسمية جمعيته بجماعة العلم والإرشاد؟ ! نعم إن مستشار الصدارة قال
لحقي باشا الصدر الأعظم أمامي: إذا نفذنا هذا المشروع ألا نلقى مقاومة من الدول
العظمى؟ فأجابه: إن لدولة البلغار مدرسة عندنا لتخريج الدعاة إلى النصرانية،
أفتكون دولة الخلافة في عاصمتها دون دولة البلغار حرية في دينها؟ ولكن هذا
الصدر الأعظم لم ينفذ المشروع ولم يساعدنا فيه أدنى مساعدة، وإنما اغتنمنا فرصة
سفره إلى إيطالية وسفر طلعت بك وزير الداخلية وزعيم الاتحادية إلى أدرنة لتقرير
المشروع رسميا، وأعانني على ذلك انعقاد مجلس الوكلاء برئاسة شيخ الإسلام
موسى كاظم أفندي أحد أنصاره، فما زلت ألح عليه حتى أصدر - رحمه الله - قرارا
من المجلس بتنفيذه، ثم جاء طلعت بك فأفسد الأمر.
وكان الذي يسمونه السلطان و (الخليفة) في قفصه، مغلوبا على أمره، لا
يكاد يصحو من سكره، ولا ترجو المشيخة الإسلامية منه قولا ولا عملا في هذا
الأمر ولا غيره، ولماذا كان نفوذ مثل طلعت وناظم أغلب عليه من نفوذ شيخ
الإسلام وشيوخ دار الفتوى؟ أليس لعجز هؤلاء الشيوخ وأعوانهم عن إدارة أمور
الدولة وعن إظهار كفاية الشريعة، وعن إثبات أصول الاعتقاد والعمل بها بالحجة،
ودفع كل ما يرد عليها من شبهة؟ أليس لأنهم غير متصفين بما اشترطه أئمة
الشرع في أهل الحل والعقد، من العلم والسياسة والكفاية والكفاءة؟