بسبب إعطاء حكومة إيران امتيازا بالتنباك لشركة إنكليزية، فاضطرت الحكومة
لفسخ الامتياز في مقابلة تعويض للشركة قدره خمسمائة ألف جنيه إنكليزي، ولو لم
تفسخ هذه الشركة لفعلت في إيران ما فعلت شركة الجلود الإنكليزية في الهند، أي
لملكت أمتها تلك البلاد وضمتها إلى إمبراطورية الهند.
قلت: إن الحكومات المستبدة تجتهد في إفساد من يظهر من الزعماء في
الشعوب التي تتولى أمرها. على أنها تعنى قبل ذلك بالأسباب التي تمنع وجود
الزعامة فيها بإفساد التعليم ومراقبته، وقد أبعدوا علماء الدين عن السياسة وعن
الحكومة، فصار أكثر أهلها وأنصارها من الجاهلين بالشريعة، وتولى هؤلاء أمر
التعليم وإعداد عمال الحكومة له، وانكمش العلماء وأرزوا إلى زوايا مساجدهم، أو
جحور بيوتهم، ولم يطالبوا بحقوقهم، ولا استعدوا لذلك بما تقتضيه حال الزمان،
وطبيعة العمران، ولا عرفوا كيف يحفظون مكانتهم من زعامة الأمة بتعريفها
بحقوقها، وقيادتها للمطالبة بها، فأضاعوا حقهم من الحل والعقد فيها، وتركوها
لرؤساء الحكام وللأحزاب والجمعيات السياسية التي يتولى أمرها في الغالب من لا
حظ لهم من علوم الدين، ولا من تربيته التي لا نظام لما بقي منها عند بعض
المسلمين.
فإذا أريد السعي - والحال هذه - لما وحب في الشرع من إمامة الحق والعدل
العامة، فلا بد قبل ذلك من السعي لوجود جماعة أهل الحل والعقد المتحلين
بالصفات التي اشترطت فيهم كما تقدم في المسألة الخامسة، فإنهم هم أصحاب الحق
في نصبه بنيابتهم عن الأمة، وبتأييده في حمل الأمة على طاعته، والمطلوب قبل
نصب الإمام العام للأمة كلها، أو للبلاد المستقلة منها أن تتحد شعوب هذه البلاد،
وترجع عن جعل اختلاف المذاهب والأجناس واللغات، موانع للوحدة والاتفاق.
وإنا نتساءل هنا: هل يوجد في البلاد الإسلامة من أهل الحل والعقد من يقدر
على النهوض بهذا الأمر؟ وإذا لم يكن فيها من لهم هذا النفوذ بالفعل أفلا يوجد من
له ذلك بالقوة؟ ثم ألا يمكن للمسلمين وضع نظام لجعل النفوذ بالقوة نفوذا بالفعل؟
بلى إنه ممكن عسر، وقوة العزيمة تجعل العسر يسرا، وقوة العزيمة تتبع قوة
الداعية، ومن ذا الذي يرجى أن يضع النظام ويشرع في العمل؟ ألا إنه حزب
الإصلاح الإسلامي المعتدل.
***
18 - حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل:
قد علم مما تقدم أن العمل لوحدة الأمة الإسلامية بقدر الإمكان ينحصر اليوم
في الشعبين الكبيرين - العربي جرثومة الإسلام. والتركي سيفه الصمصام - وأن
أمر البلاد العربية المستقلة بيد أئمتها وأمرائها، فالتأليف بينهم مقدم على كل شيء
فيها، ونقول هنا:
إن المتصدرين للزعامة السياسية ومقام الحل والعقد في غير جزيرة العرب
من البلاد الإسلامية أزواج ثلاثة: مقلدة الكتب الفقهية المختلفة - ومقلدة القوانين
والنظم الأوربية - وحزب الإصلاح الجامع بين الاستقلال في فهم فقه الدين وحكم
الشرع الإسلامي وكنه الحضارة الأروبية، وهذا الحزب هو الذي يمكنه إزالة
الشقاق من الأمة على ما يجب عمله في إحياء منصب الإمامة، إذا اشتد أزره وكثر
ماله ورجاله، فإن موقفه في الوسط يمكنه من جذب المستعدين لتجديد الأمة من
الطرفين. وهو الحزب الذي سميناه في المقالة الثالثة من مقالات (مدنية القوانين)
بحزب الأستاذ الإمام؛ إذ كان المنار يمهد السبيل لجعل الأستاذ زعيم الإصلاح في
جميع بلاد الإسلام، وإنا نعرف أفرادا من هؤلاء المصلحين المعتدلين في الأقطار
المختلفة، ولا سيما العربية والتركية والهندية، ونشهد أن مسلمي الهند في جملتهم
أرجى لشد أزر هذا الحزب بالمال والرجال، ولكنهم لا يستطيعون العمل إلا باتحاد
عقلائهم مع عقلاء سائر الأقطار لتكوين جماعة أهل الحل والعقد بما يتفقون عليه
من النظام لأجل قيادة الرأي العام، ولتكوين مؤتمر عاجل لأجل تقرير ما يتخذ من