تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المخلوع ما زال يدعي الخلافة التي آلت إليه بنظام الوراثة، والحق ما بيناه من قبل،

وأن الخليفة العباسي الذي أسره السلطان سليم لم يكن يملك الخلافة ولا النزول

عنها ولو لأهلها، ولو كان يملكهما لاشترط في نزوله الحرية والاختيار، ولم يكن

يملكها، ومثله السلطان وحيد الدين الآن، فلذلك لا يعتد بما توقعه بعضهم من نزوله

عنها لملك الحجاز، وإذا كانت خلافة الترك العثمانيين بالتغلب فلا فرق بين اختيار

الأمير عبد المجيد الآن بعد انقطاع سلسلة العهد والاستخلاف بخلع محمد وحيد الدين

أو قبله، وبين اختيار من قبله عملا بذلك النظام، هذا إذ جعلته حكومة أنقرة خليفة

بالمعنى الشرعي المعروف، ولكنها اخترعت نوعا جديدا من الحكومة ونوعا آخر

من الخلافة، ووضعت للأولى قانونا أساسيا عرفناه، ولما تضع للثانية قانونا لنعلم

منه كنهها، فإن كانت خلافة روحية لا سلطان لها في سياسة الأمة وحكومتها فهي

غير الإمامة التي بينا أحكامها، على أن ما يضعونه لها من النظام إن كان موافقا

للشرع حمدناه، وإن كان مخالفا له أنكرناه، ولا يضرنا تسمية هذا العمل خلافة

فمثله معهود عند أهل الطريق ولا مشاحة في الاصطلاح، وسنبين في كل وقت ما

يجب علينا وعليها للإسلام.

***

17- أهل الحل والعقد في هذا الزمان وما يجب عليهم في أمر الأمة والإمام:

فرغنا مما قصدنا إلى بيانه من أحكام الإمامة العظمى في الإسلام، ونقفي عليه

ببيان ما يجب من السعي للعمل بهذه الأحكام، بإعادة تكوين الأمة ووحدتها،

ونصب الإمام الحق لها. الذي بينا في المسألة الثانية أنه واجب عليها شرعا، تأثم

كلها بتركه، وتعد حياتها وميتتها جاهلية مع فقده، فالأمة كلها مطالبة به، وهي

صاحبة الأمر والشأن فيه كما بيناه في المسألة الرابعة، وإنما يقوم به ممثلوها من

أهل الحل والعقد كما حررناه في المسألة الثالثة، فأهل الحل والعقد هم المطالبون

بجميع مصالح الأمة العامة، ومسألة السلطة العليا خاصة.

قلنا: إن أهل الحل والعقد هم سراة الأمة وزعماؤها ورؤساؤها، الذين تثق

بهم في العلوم والأعمال والمصالح التي بها قيام حياتها، وتتبعهم فيما يقررونه بالشأن

الديني والدنيوي منها، وهذا أمر من ضروريات الاجتماع في جميع شعوب البشر،

تتوقف عليه الحياة الاجتماعية المنظمة، قال شاعرنا العربي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وإذا صلحت هذه الفئة من الأمة صلح حالها وحال حكامها، وإذا فسدت فسدا،

ولذلك كان مقتضى الإصلاح الإسلامي أن يكون أهل الحل والعقد في الإسلام من

أهل العلم الاستقلالي بشريعة الأمة ومصالحها السياسية والاجتماعية والقضائية

والإدارية والمالية، ومن أهل العدالة والرأي والحكمة، كما بيناه في المسألة الرابعة،

وهي ما يشترط في أهل الاختيار للخليفة.

فذكر أهل الحل والعقد قد تكرر في مسائل أحكام الخلافة ولم نجعله عنوانا إلا

لهذه المسالة التي عقدت للكلام فيهم أنفسهم وأين يوجدون اليوم، وما يجب عليهم

لأمتهم في هذا العصر، فإن الحكومات غير الشرعية من أجنبية ووطنية تعنى بإفساد

زعماء الشعوب التي تستبد في أمرها، ليكونوا أعوانا لها على استبدادها، ومن

تعجز عن إفساده على قومه بالترغيب ثم بالترهيب تكيد له أو تبطش به، فأهل

الحل والعقد من قبل الأمة قلما يوجدون إلا في الأمم الحرة، وأكثر الرؤساء في

الأمم المقهورة يكونون من قبل حكامها، وهم الذين توليهم رئاسة بعض الأعمال

والمصالح فيها، فيكون ما بيدهم من الحل والعقد مستأجرا، وقد تغش الأمة ببعض

رجاله، وقد يكونون في نظرها من الخونة المستحقين للعقاب، وقد يوجد فيهم من

يكون أهلا للثقة، وتعرف له الأمة ذلك أو تجهله، وإذا سكتت عن إظهار احتقارها

لصنائع المستبدين فيها؛ لتفرقها في وقت الانقياد والدعة، فإنها تظهره في وقت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٨