الزعماء من أخرى؟ ثم ما تلاه واتبعت فيه سنته السيئة [2] من احتكار أهل الجور
والطمع للسطان، وجعله إرثا لأولادهم أو لأوليائهم كما يورث المال والمتاع؟ ألا
إن هذه هي أعمال عصبية القوة القاهرة المخالفة لهدي القرآن وسنة الإسلام.
ذكر الفقيه ابن حجر في (التحفة) اختصاص الاستخلاف بقسميه (الفردي
والجمعي) بالإمام الحق واعتماده، ثم قال: وقد يشكل عليه ما في التواريخ
والطبقات من تنفيذ العلماء وغيرهم لعهود بني العباس مع عدم استجماعهم للشروط،
بل نفذ السلف عهود بني أمية مع أنهم كذلك، إلا أن يقال: هذه وقائع محتملة أنهم
إنما نفذوا ذلك للشوكة وخشية الفتنة لا للعهد، بل هو الظاهر. اه
وقال الماوردي في العهد المشار إليه في أول هذه المسألة: ويعتبر شروط
الإمام في المولى من وقت العهد إليه. وإن كان صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا
عدلا عند موت المولي، لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته اه.
ونقل الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث (عبادة) في المبايعة وقد تقدم: إنه لا
يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، وإن الخلاف في الخروج على الفاسق فيما إذا كان
عادلا وإمامته صحيحة ثم أحدث جورا. اه.
وقد علم مما أسلفنا أن العهد والاستخلاف بشروطه متوقف على إقرار أهل
الحل والعقد له، واستدلالهم يقتضيه، وإن لم يصرحوا، وأما المتغلبون بقوة
العصبية فعهدهم واستخلافهم كإمامتهم، وليس حقا شرعيا لازما لذاته، بل يجب
نبذه، كما تجب إزالتها واستبدال إمامة شرعية بها عند الإمكان والأمان من فتنة
أشد ضررا على الأمة منها، وإذا زالت بتغلب آخر فلا يجب على المسلمين القتال
لإعادتها.
***
10- طالب الولاية لا يولى:
من هدي الإسلام أن طالب الولاية والإمارة لأجل الجاه والثروة لا يولى. فقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين طلبا أن يؤمرهما: (لن نستعمل على عملنا
من أراده) وفي رواية (إننا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه) رواه
الشيخان: البخاري بهذا اللفظ، ومسلم بلفظ: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا
سأله ولا أحدا حرص عليه) وفي رواية للإمام أحمد: (إن أخونكم عندنا من يطلبه)
فلم يستعن بهما في شيء حتى مات. وسبب هذا المنع القطعي المؤكد بالقسم أن
طلاب الولايات - ولا سيما أعلاها وهي الإمامة - والحريصون عليها هم محبو
السلطة للعظمة والتمتع والتحكم في الناس، وقد ظهر أنهم هم الذين أفسدوا أمر هذه
الأمة، وأولهم من الجماعات بنو أمية، وإن كان فيهم أفراد، بل منهم رجل الرجال
وواحد الآحاد عمر بن عبد العزيز خامس الراشدين، ولكنه لم يكن حريصا على
الإمامة ولو أمكنه لأعادها إلى العلويين.
وذكر الحافظ في شرح الحديث المذكور آنفا كلمة حق في معناه عن المهلب
قال: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء
واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد في الأرض بذلك. وهنالك أحاديث
أخرى.
ولو حافظ المسلمون على أصل الشرع الذي قرر في عهد الراشدين في أمر
الخلافة، لما وقعت تلك الفتن والمفاسد، ولعم الإسلام الأرض كلها. وقد قال عالم
ألماني لشريف حجازي في الآستانة: إنه كان ينبغي لنا أن نضع لمعاوية تمثالا من
الذهب في عواصمنا؛ لأنه لو لم يحول سلطة الخلافة عما وضعها عليه الشرع
وجرى عليه الراشدون، لملك العرب بلادنا كلها وصيروها إسلامية عربية.
***
11- إمامة الضرورة والتغلب بالقوة:
اتفق محققو العلماء على أنه لا يجوز أن يبايع بالخلافة إلا من كان مستجمعا
لما ذكروه من شرائطها، وخاصة العدالة والكفاءة والقرشية، فإذا تعذر وجود بعض
الشروط تدخل المسألة في حكم الضرورات، والضرورات تقدر بقدرها، فيكون
الواجب حينئذ مبايعة من كان مستجمعا لأكثر الشرائط من أهلها، مع الاجتهاد والسعي
لاستجماعها كلها،قال الكمال بن الهمام في المسايرة: والمتغلب تصح منه هذه الأمور