تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحيحة مع الأفغانيين وغيرهم من طوائف المسلمين في المشرق؟!

هذا التدابر والتقاطع وإرسال الحبال على الغوارب عم المسلمين حتى صح

أن يقال: لا علاقة بين قوم منهم وقوم، ولا بلد وبلد، إلا طفيف من الإحساس بأن

بعض الشعوب على دينهم، ويعتقدون مثل اعتقادهم، وربما يتعرفون مواقع

أقطارهم بالصدفة إذا التقى بعض ببعض في موسم الحجيج العام. وهذا النوع من

الإحساس هو الداعي إلى الأسف وانقباض الصدر إذا شعر مسلم بضياع حق مسلم

على يد أجنبي عن ملته. لكنه لضعفه لا يبعث على النهوض لمعاضدته.

كانت الصلة كجسم عظيم قوي البنية صحيح المزاج فنزل به من العوارض ما

أضعف الالتئام بين أجزائه فتداعت للتناثر والانحلال، وكاد كل جزء يكون على

حدة وتضمحل هيئة الجسم.

بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلامية عند انفصال الرتبة

العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحوزوا

شرف العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه كما كان الراشدون

رضي الله عنهم، كثرت بذلك المذاهب، وتشعب الخلاف من بداية القرن الثالث

من الهجرة إلى حد لم يسبق له مثيل في دين من الأديان، ثم انثلمت وحدة الخلافة

فانقسمت إلى أقسام: خلافة عباسية في بغداد، وفاطمية في مصر والمغرب، وأموية

في أطراف الأندلس. تفرقت بهذا كلمة الأمة وانشقت عصاها، وانحطت رتبة

الخلافة إلى وظيفة الملك فسقطت هيبتها من النفوس، وخرج طلاب الملك والسلطان

يدأبون إليه من وسائل القوة والشوكة ولا يرعون جانب الخلافة.

وزاد الاختلاف شدة وتقطعت الوشائج بينهم بظهور جنكيز خان وأولاده،

وتيمورلنك وأحفاده، وإيقاعهم بالمسلمين قتلا وإذلالا حتى أذهلوهم عن أنفسهم

فتفرق الشمل بالكلية وانفصمت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعا، وانفرد

كل بشأنه وانصرف إلى ما يليه، فتبدد الجمع إلى آحاد، وافترق الناس فرقا كل

فرقة تتبع داعيا إما إلى ملك أو مذهب، فضعفت آثار العقائد التي كانت تدعو إلى

الوحدة وتبعث على اشتباك الوشيجة، وصار ما في العقول منها صورا ذهنية

تحويها مخازن الخيال، وتلحظها الذاكرة عند عرض ما في خزائن النفس من

المعلومات، ولم يبق من آثارها إلا أسف وحسرة يأخذان بالقلوب عندما تنزل

المصائب ببعض المسلمين بعد أن ينفذ القضاء، ويبلغ الخبر إلى المسامع على

طول من الزمان، وما هو إلا نوع من الحزن على الفائت كما يكون على الأموات

من الأقارب، لا يدعو إلى حركة لتدارك النازلة ولا دفع الغائلة.

وكان من الواجب على العلماء - قياما بحق الوراثة التي شرفوا بها على لسان

الشارع - أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية ويتداركوا الاختلاف الذي وقع في الملك

بتمكين الاتفاق الذي يدعو إليه الدين، ويجعلوا معاقد هذا الاتفاق في مساجدهم

ومدارسهم، حتى يكون كل مسجد وكل مدرسة مهبطا لروح حياة الوحدة، ويصير

كل واحد منها كحلقة في سلسلة واحدة إذا اهتز أحد أطرافها اضطرب لهزته الطرف

الآخر، ويرتبط العلماء والخطباء والأئمة والوعاظ في جميع أنحاء الأرض بعضهم

ببعض، ويجعلون لهم مراكز في أقطار مختلفة يرجعون إليها في شئون وحدتهم،

ويأخذون بأيدي العامة إلى حيث يرشدهم التنزيل وصحيح الأثر، ويجمعوا أطراف

الوشائج إلى معقد واحد يكون مركزه في الأقطار المقدسة - وأشرفها معهد بيت الله

الحرام - حتى يتمكنوا بذلك من شد أزر الدين وحفظه من قوارع العدوان، والقيام

بحاجات الأمة إذا عرض حادث الخلل، وتطرق الأجانب للتداخل فيها بما يحط من

شأنها ويكون كذلك أدعى لنشر العلوم وتنوير الأفهام وصيانة الدين من البدع، فإن

إحكام الربط إنما يكون بتعيين الدرجات العلمية وتحديد الوظائف، فلو أبدع مبدع

أمكن بالتواصل بين الطبقات تدارك بدعته ومحوها قبل فشوها بين العامة، وليس

بخاف على المستبصرين ما يتبع هذا من قوة الأمة وعلو كلمتها، واقتدارها على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٣