تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.80

قوله عز وجل: ﴿ ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ﴾؛ ترى يا محمد كثيرا من اليهود يوالون مشركي العرب على معاداتك ومحاربتك، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه. وقيل: معناه: ترى كثيرا من المنافقين يتولون اليهود، ﴿ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ﴾؛ أي بئس ما عملوا لأنفسهم حين، ﴿ أن سخط الله عليهم ﴾؛ وموضع (أن سخط) نصب على تأويل بئس الشيء ذلك لإن أكسبهم السخط، فانتصب (أن) بلام (كي)، ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار (هو) تقديره: هو أن سخط الله عليهم، ﴿ وفي العذاب هم خالدون ﴾؛ أي مقيمون دائمون.

5.81

قوله تعالى: ﴿ ولو كانوا يؤمنون بالله ﴾؛ معناه: لو كان اليهود يصدقون بوحدانية الله تعالى: ﴿ والنبي ﴾ ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ وما أنزل إليه ﴾؛ أي والقرآن الذي أنزل إليه؛ ﴿ ما اتخذوهم أوليآء ﴾ ، ما اتخذوا كفار قريش وسائر عبدة الأوثان أحباء في العون والنصرة على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولكن كثيرا منهم ﴾؛ من اليهود؛ ﴿ فاسقون ﴾؛ خارجون عن الطاعة، ناقضوا العهد.

5.82

قوله عز وجل: ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾؛ أي لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة لك وللذين آمنوا اليهود، وهم يهود بني قريظة وبني النضير وفدك وخيبر، كانوا أشد اليهود عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله "

قوله تعالى: ﴿ والذين أشركوا ﴾ يعني مشركي العرب كانوا في العداوة مثل اليهود.

قوله تعالى: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾؛ لم يرد جميع النصارى مع ما هم فيه من عداوة المسلمين، وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وقتلهم وأسرهم وأخذ مصاحفهم. وإنما نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه. قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: (نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه، وكان النجاشي ملك الحبشة نصرانيا قبل ظهور الإسلام، ثم أسلم هو وأصحابه).

قال المفسرون: ائتمرت قريش أن يفتنوا المسلمين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين، يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن كثير، وعصم الله من شاء منهم، ومنع الله النبي صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال:

" إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا "

، وأراد به النجاشي واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم: كسرى وقيصر.

فخرج إليه سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير، وعبدالله بن مسعود، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة وامرأته سهلة بنت سهيل، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت جثمة، وحاطب بن عمر، وسهيل بن بيضاء. فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف مثقال إلى الحبشة، وذلك في رجب في السنة الخامسة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى.

ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجهت عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردوهم إليهم، فعصمهم الله تعالى، وقد ذكرنا هذه القصة في سورة آل عمران.

فلما انصرفا خائبين أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره، وذلك في سنة ست من الهجرة.

التفسير الكبير · الصفحة ٥٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٢٢