وجاء رجل إلى الحسن فقال له: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج، قال: (ولم؟) قال: لا يؤدي شكره، قال: (أفيشرب الماء البارد؟) قال: نعم، قال: (إن جارك هذا جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج).
5.89
قوله عز وجل: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾؛ قال ابن عباس: (هو أن يحلف الرجل بالله في الشيء يرى أنه كذلك). وقالت عائشة: (هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، يصل به كلامه ولا يعقد عليه قلبه). واللغو في اللغة: هو الكلام الساقط الذي لا يعتد به.
قوله تعالى: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾؛ أي بما وكدتم الأيمان. قرأ أهل الحجاز وحفص وأبو عمرو: (عقدتم) بالتشديد، وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: بالتخفيف (عقدتم). ومعناه: أن يحلف الرجل على أمر في المستقبل ليفعله ثم لا يفعله، أو يحلف أن لا يفعله ثم يفعله. فمن قرأ (عقدتم) بالتشديد فمعناه المبالغة والتأكيد. وفائدته أن يعتقدها في قلبه، ولو عقدها في أحدهما دون الآخر لم يكن معتقدا، وهو كالتعظيم.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول: (قراءة التشديد لا تحتمل إلا العقد بالقول، وقراءة التخفيف تحتمل عقد القلب، وهو العزيمة والقصد إلى القول). ويحتمل عقد اليمين قولا؛ يقال: عقدت على أمر كذا؛ إذا عزمت عليه.
وقيل: الأصح أن المراد بالعقد القول؛ لأنه لا خلاف بين الأئمة أن القصد من اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة، وإن وجوبها متعلق باللفظ دون القصد. ويحتمل أن يكون معنى التشديد: أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار، وهو يريد التكرار لا يلزمه إلا كفارة واحدة.
وقرأ أهل الشام: (عاقدتم) بألف وهو من المعاقدة، وهو أن يحلف الرجل لصاحبه على مسألته، أو يحلف كل واحد منهما لصاحبه.
قوله تعالى: ﴿ فكفارته ﴾؛ أي كفارة ما عقدتم من الأيمان عند الحنث، ﴿ إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾؛ أي من أعدل ما تطعمون أهليكم غداء وعشاء ولا وكس ولا شطط.
وقيل: معناه: من أوسطه في الشبع، ولا تفرط في الأكل، ولا يكون دون المغنى عن الجوع، فإن أراد أن يطعمهم الطعام أعطى لكل مسكين نصف صاع من حنطة عند أصحابنا، هكذا روي عن عمر وعلي وعائشة. وقال الشافعي ومالك: (مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم).
والمد: رطل وثلث، وهكذا روي عن زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمرو رضي الله عنهم أجمعين. وأما غداؤهم وعشاؤهم فلا عبرة بمقدار الطعام، إلا أن يكون فيهم صبي صغير لا يستوفي الأشياء يسيرا فلا يعتد به حينئذ، وإنما قال: يغديهم ويعشيهم؛ لأن ذلك أوسط طعام الأهل؛ لأن أكثر الأكل ثلاث مرات، وأقله وجبة، والغالب الأوسط؛ والأوسط الغالب مرتان. وقال سعيد بن جبير: (يعطي لكل مسكين مدين؛ مد لطعامه ومد لإدامه).
وسئل شريح عن الكفارة؛ فقال: (الخبز والزيت). فقال له السائل: رأيت إن أطعمت الخبز واللحم، فقال: (ذلك أرفع طعام أهلك وطعام الناس).
وعن ابن مسعود وابن عمرو: (أن أعلا ما بطعام الأهل الخبز واللحم، والأدون الخبز البحت بغير إدام، والأوسط الخبز مع السمن ونحوه).
ظاهر الآية يقتضي أنه إذا أعطى مسكينا واحدا طعام العشرة لا يقع إلا عن الواحد، إلا أن أصحابنا إنما اختاروا دفع ذلك إلى الواحد في العشرة أيام على أعشار، والمعنى: لأنه جوز على الحانث سد عشر خلات، ولا فرق بين سد خلة الواحد في عشرة أيام، وسد خلة العشرة في يوم واحد.
قوله تعالى: ﴿ أو كسوتهم ﴾؛ قرأ السلمي (أو كسوتهم) بضم الكاف وهما لغتان. ومعنى الآية: أو كسوة عشرة مساكين، وأدنى ما يجوز في الكسوة ثوب واحد أو رداء أو قميص أو إزار وقباء أو كساء. وأما القلنسوة والخمر والعمامة والسراويل، فلا تجوز عن الكسوة في ظاهر الرواية.
وروي عن محمد أن السراويل تجزئ لجواز الصلاة فيها للرجل. وعند الشافعي تجوز السراويل والعمامة. وعند سعيد بن المسيب والضحاك: (يجب لكل مسكين ثوبان).