يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها
[النحل: 111] أن يقال: إن النفس نفسا، فإذا بطل ذلك صح أن المراد به الجملة والذات، كأنه قال: يوم يأتي كل أحد يجادل عن نفسه، فكان المراد بقوله: ﴿ ولا أعلم ما في نفسك ﴾ جملة الأمر، وحقيقية ما عند الله تعالى.
فإن قيل: ليس في النصارى من اتخذ مريم إلها فما معنى هذا القول؟ قيل: إن لم يكن فيهم من يقول هذا القول اليوم، فلا بد أن يكون فيهم من قال ذلك؛ لأن هذه الآية تدل على أنهم قد قالوا ذلك، وتصديق لكتاب الله تعالى أوجب من التصديق لنقل ناقل.
5.117
قوله عز وجل: ﴿ ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به ﴾؛ أي ما قلت لهم شيئا إلا القول الذي أمرتني به، ﴿ أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾؛ أو وحدوه وأطيعوه، ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ﴾؛ معناه: فلما قبضتني إليك من بينهم، ورفعتني إلى السماء كنت أنت الحفيظ عليهم، ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾؛ من مقالتي ومقالتهم، مطلع عالم مشاهد.
وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله: ﴿ فلما توفيتني ﴾ أمتني، وقالوا: إن عيسى ليس بحي في السماء. إلا أن القول الأول أشهر، ويحتمل أن الله تعالى أماته، ثم أحياه ورفعه إلى السماء.
وقال الحسن: (الوفاة في كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: وفاة الموت كقوله تعالى:
الله يتوفى الأنفس حين موتها
[الزمر: 42]، ووفاة النوم كقوله تعالى:
وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار
[الأنعام: 60] أي ينيمكم، ووفاة الرفع كقوله:
يعيسى إني متوفيك
[آل عمران: 55].