فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ أي فإن جاءك الفريقان كأنهم راضين بحكمك، فاحكم بما أنزل الله، وإن شئت فأعرض عنهم.
وقيل: معناه: فإن جاءك أهل خيبر في حكم الزنا، فاقض بينهم بالرجم في هذه الحادثة، وفي نظيرها من الحوادث التي تقع من بعد، أو أعرض عنهم، ولا تحكم بينهم، خيره الله تعالى بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم، وهذا التخيير منسوخ بقوله تعالى:
وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله
[المائدة: 49].
قوله تعالى: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ﴾؛ لإعراضك عنهم، ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾؛ أي بالعدل؛ ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾؛ أي العادلين.
5.43
قوله تعالى: ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ﴾؛ أي كيف يرضون بحكمك وعندهم التوراة فيها حكم الرجم والقصاص وغير ذلك ﴿ ثم يتولون ﴾ ، يعرضون عن العمل بها، ﴿ من بعد ذلك ﴾؛ من بعد البيان الذي في كتابهم، ﴿ ومآ أولئك بالمؤمنين ﴾؛ ليسوا بمصدقين بما عندهم، يزعمون أنهم مؤمنون بالتوراة وهم كاذبون. وفي هذه الآية بيان على أن هؤلاء اليهود كانوا لا يحكمون النبي صلى الله عليه وسلم بحكم رضى وانقياد، ولولا طلبهم الترخص واتباع ما لا يغني في كتابهم لما جاءوه.
5.44
قوله تعالى: ﴿ إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾؛ أي إنا أنزلنا التوراة على موسى فيها بيان من الضلالة ونور لمن آمن به، يقضي بها النبيون الذين أخلصوا، وهذه صفة الأنبياء؛ لا أن فيهم من لم يخلص، كما يقال: صلى الله على محمد وعلى آله الطيبين، لا يراد بذلك أن في أهله غير طيب.
والمراد بالنبيين موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الذين كانوا من وقت موسى إلى وقت نبينا عليهم السلام. ويقال أراد بالنبيين محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه كان كالنائب عن أنبياء بني إسرائيل في أن يحكم في الزنا بينهم بحكم التوراة.
وقيل: معنى ﴿ الذين أسلموا ﴾ أي انقادوا لأحكام الله لا على أن غيرهم من النبيين لم يكونوا مسلمين. وقيل: معنى (أسلموا) أي صاروا إلى السلامة، كما يقال: أصبحوا وأمسوا: وادخلوا في الصباح والمساء. وقيل: معناه: الذين أسلموا أنفسهم إلى الله.
" كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا آوى إلى فراشه: " أسلمت نفسي إليك " "
قوله عز وجل ﴿ للذين هادوا ﴾ يعني لليهود، وقيل: معنى الآية: للذين تابوا من الكفر، كما في قوله تعالى:
وإنا هدنآ إليك
[الأعراف: 156].
قوله تعالى: ﴿ والربانيون ﴾؛ هم العلماء العاملون، يربون العلم؛ أي يقومون به، ﴿ والأحبار ﴾؛ سائر العلماء دون الأنبياء والربانيين، وإنما سمي العالم حبرا لكثرة ما يكتب بالحبر، ويقال: هو من التحبير وهو تحسين العلم، وتقبيح الجهل.
قوله تعالى: ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾؛ من الرجم وسائر الأحكام، ﴿ وكانوا عليه شهدآء ﴾؛ إنه كذلك، ومعنى (استحفظوا): استودعوا.
قوله تعالى: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾؛ خطاب لعلماء اليهود؛ أي لا تخشوا السفلة والجهال في إظهار نعت النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، واخشوا عقابي في كتمانها، ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ﴾؛ أي لا تختاروا عرضا يسيرا من الدنيا، فإن الدنيا ما فيها قليل.
قوله تعالى: ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾؛ ذهب الخوارج إلى أن معنى الآية: (ومن لم يحكم بما نزل الله وحكم بخلافه كان كافرا بفعل ذلك، اعتقادا كان أو غير ذلك)، وكفروا بذلك كل من عصى الله تعالى بكبيرة أو صغيرة، وأداهم ذلك إلى الضلال والكفر تكفيرهم الأنبياء صلوات الله عليهم بصغائر ذنوبهم!
وأما عامة أهل الإسلام قالوا: إن المراد بهذه الآية: أن من جحد شيئا مما أنزل الله مثل ما فعله اليهود من التحريف والتبديل وإنكار بعض آيات الله تعالى، ﴿ فأولئك هم الكافرون ﴾؛ أي أهل هذه الصفة بمنزلة الكافر بالكتب وبالرسل كلها.